خاطرة "جهاز صغير يضع الدنيا في يدك".. خواطر إجتماعية

إذا أتى أي شخص من الماضي وليكن من 50 سنة فائتة إلى عالمنا الحالي، فإنه سوف يفتح فاه لمدة لا تقل عن 5 دقائق، لما يراه ويسمعه من تقدم في وسائل التواصل.

شيء مذهل بل ضرب من الجنون، أن تضع الراديو والتلفزيون والتليفون ومسجل الصوت وكاميرا لتسجيل الفيديوهات بل عملك كله في جهاز في جيبك.

ثم يمكن أن تصنع منه مقهى بلديًّا تجلس عليه مع نفسك، بأن تسمع أغنية للست أم كلثوم وتلعب لعبة النرد أو الشطرنج أو تلعب الطاولة.

ويمكنك أن تلعب مع عدد من الأصدقاء أون لاين أو تلعب وحدك، ثم يمكنك أن تعيد أغنية الست مرارًا وتكرارًا.

إن ذلك في نظر الآتي من الماضي لهو من ألاعيب الأبالسة التي لا تتوافر لبشر.

وإذا كنت تحب أن تعيش حياة المثقفين فيمكنك أن تسمع قطعة من موسيقى بيتهوفن أو باخ، وتقرأ في اللحظة ذاتها أي كتاب بصيغة" pdf "دون أن تقوم من مقامك، والتشغيل عن طريق أوامر كلامية للجهاز، أو لمسة حانية على شاشة الجهاز، بل يمكنك أيضًا أن تقيس بعض القياسات الطبية.

هذا الجهاز يجعلك تنكفئ على ذاتك لا تطلب من حظوظ الدنيا إلا الطعام والشراب، حتى هذه يمكنك طلبها أون لاين، مستفيدًا من عروض بالمئات من قوائم الطعام الذي يمكنك أن تختار منها ما يناسب ذوقك.

بل تضع شروطًا تناسب ما تحب من طعام، والذي قد يتطور مستقبلًا لأن يكون في كبسولات تشتريها أون لاين أيضًا، وإن كان ذلك حادثًا ولكنه لم يتخذ الشكل التجاري الكبير.

إن هذا الجهاز الصغير أصلح حياة الناس ودمر بعضها، فلقد قلل الوقت والجهد وزاد من الفردية، مدمرًا علاقات إنسانية كان بينها أواصر جميلة.

وإذا كنت لا تريد الذهاب للبنك أو للسوبر ماركت أو لشراء أي شيء، فهو يفعل ذلك بمجرد لمسة أو كلمة سر.

 

اهتمامات متعددة

إذا كنت متعدد الاهتمامات فأنت أصبحت مدمنًا لذلك الجهاز الذكي، الذي يربطك ربطًا لا فكاك منه إلا بقوة الإرادة أو انقطاع الكهرباء لوقت طويل، لكي تخرج ما دخل في عينيك وعقلك وجسدك من تأثير الشاشات والأخبار سواء جيدة أو سيئة، وهي في العادة سيئة.

لأن ذلك من موروثات الصحافة القديمة، على طريقة الخبر المثير أن الكلب هو من يعض الرجل، فأصبح كل من يستخدم ذلك الجهاز الذكي صحفيًّا ومحللًا ومستقبلًا للأخبار ومخرجًا سينمائيًّا وسياسيًّا واقتصاديًّا ومدربًا للكرة ومشجعًا كرويًّا، وهكذا أصبحنا في عصر خلط الأوراق، وزاد الطين بلة وجود الذكاء الاصطناعي الذي ينهي على بعض المهن المرتبطة باستخدام العقل.


استشراف للمستقبل

على طريقة الفنان المعجزة الإيطالي "ليوناردو دافنشي" الذي تنبأ باختراعات تمت في القرن العشرين، فإنه يمكن أن نتنبأ بما يصنع العصر الإلكتروني بالبشرية.

فلقد تغلل الذكاء الاصطناعي في ربط ما أنتجه العقل البشري في سنوات ماضية، فهل سيكون له السبق في ربط المشاعر التي تنتاب الإنسان في حالاته المختلفة، بأن يرد بدلًا منك عندما تشعر بالحنين والأسف والهجر والخذلان والحماس والشغف.

قد يكون ذلك ممكنًا ولم لا وقد يكون رده صادقًا، وهو ما قد يجعل الآلة مهيمنة على حياة الناس، فإذا كانت العلاقة بين الإنسان والآلة علاقة الأسير بالمأسور، فقد تتبدل تلك العلاقة والأسير يصبح مأسورًا.

وقد يراك الناس شخصًا حقيقيًّا وشخصًا افتراضيًّا، وهنا يمكن أن يتفوق الافتراضي على الحقيقي، ويصنع ما يعجز الحقيقي عن فعله وقوله، وهنا يمكن أن يسمى الإنسان الحقيقي باسمه والإنسان الافتراضي إنسانًا بشرطة.

على طريقة تسمية المعادلات الرياضية أو خطوط النقل العام في بر مصر، والإنسان أبو شرطة لا أم له ولا أب، إنما هو وليد نظام إلكتروني معقد، وكلما ازداد تعقيد ذلك النظام كان أبو شرطة أقرب إلى الإنسان الكامل.

الذي يمكن أن يكون مسؤولًا ناجحًا في الاقتصاد أو السياسة أو الرياضة أو الصحافة، تحت إشراف الإنسان، مثلما تكون عليه قيادة السيارة ذاتية القيادة.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة