أحدق في الفراغ، وكأنني أبحثُ عن شيء لا أراه، لكنه موجود في أعماقي. شيء تعرفه روحي جيدًا، شيء شعرت به من قبل أن تسكن هذا الجسد. شيء كأنه كان لي، ثم فُقِد. هناك، وسط هذا الفراغ، أراكم... أنتِ وأنتَ. تبتسمان لي بودٍ خفي. تتحدثان بصمتٍ يفهمه قلبي. لا أعلم إن كنتُ أقترب من الجنون أو أبتعد عنه، لكن كل شيء يبدو حقيقيًّا، كأنني لم أفقدكم يومًا.
أجلسُ هنا بينكم، وكأن حضوركم يُخفف من وطأة هذا العالم الذي لم يعُد يستوعبني. أتحدث إليكم بلا كلمات، وأرتاح لصحبتكم، وكأنكم تمنحونني الدفء في عز البرد. لكن على الرغم من ذلك وقربكم الملموس، أشعرُ بكم بعيدين، بعيدين جدًّا. كأن بيننا جدارًا لا يمكنني كسره. أراكم، أسمعكم، وأشعر بوجودكم حولي، لكني لا أستطيعُ الوصول إليكم، ولا أنتم إليَّ.
أحيانًا، أرغبُ في أن أمد يدي إليكم، لكني أعرف أنني لن ألمس سوى الهواء. هذا الحزن يسكنني، ليس لأنكم غائبون، بل لأنكم قريبون جدًّا، لكنكم بعيدون جدًّا في الوقت نفسه.
أرغب بشدة في أن أسرد لكم كل تلك الأشياء التي تُسعدني، وأيضًا التي تحزنني. أرغبُ أن أشارككم ما يثقل كاهلي ويمنعني من التقدم خطوة واحدة للأمام. إنه شعور ثقيل، ثقيل جدًّا، وكأن العالم بأسره يستقر فوق كتفيّ. كنتُ أبحث عن أشياء لمدة طويلة، أشياء لم أكن أدرك ماهيتها ولا لماذا أبحث عنها. لكنها الآن بين يديّ... وجدتها، أو بالأحرى، هي التي وجدتني.
لكن ما لم أتوقعه هو ثقلها. إنها أثقل مما توقعت، أثقل مما أتحمل. تُشعرني بأنها ليست مجرد أشياء عابرة، بل أنها أصبحت جزءًا مني. إنها متغلغلة في روحي، متشابكة مع أفكاري، متصلة بي بشكل لا يمكنني فصله أو نسيانه. وبدلًا من أن تمنحني الراحة التي كنت أظن أنني سأجدها عند امتلاكها، باتت تشعرني بأنني مكبلة، محاطة بشيء لا أستطيع الهروب منه.
أحيانًا، أجد نفسي أقول: لو أنها بقيت في الفراغ، لكان أفضل. الفراغ كان يتسع لها أكثر مما أستطيع. هناك، كان يُمكنها أن تظل بعيدة، لا تضغط عليَّ، لا تندمج معي بهذا الشكل. ربما الفراغ كان المكان الأنسب لها. أما الآن، بين يديّ، تُشعرني بأن عالمي قد ضاق، وأن حريتي قد تقلصت، حتى وإن كنت أحملها بين يدي.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.