تُرعبني فِكرة أنّ الأيّام تتراكَم بيننا، وأنَّ أنياب الوَقت قد غُرِزَت بالفعل في باطِن فراقنا، وباتَ أمر العودة أشبه بالهذيان، أو رُبّما صِنفًا مِن أصناف الأوهام.
صَباحُ الخير عَزيزَتي، إنّي أبتعدُ عنكِ تدريجيًا، فأثناء خُروجي من المنزل لَم أعُد أُحاول أن أُشاركك مشاريعي، وعندَ سماعي للموسيقى لَم تعودي تتراقصين في مُخيّلتي، وحتّى عندَ اكتمال القَمر، لَم يعُد وجهُكِ يتوسّط البدرَ.
لَم أعُد أشعُر أنّك تُلاحقينني، كالرزقِ والموتِ والنّصيب…
لَم أعُد أشعُر أنّكِ تستحقّين القَلق حتّى، أو رجفة يدي اليُسرى…
لَم أعُد أُقدِّسُ هواءَكِ ولا أُراقِب خُطُواتَكِ!
لقد تحررتُ بالكامل يا حبيبتي، لَم أعُد أراكِ في كُل شيءٍ أثناء عودَتي إلى المنزل بعد منتصف الليل…
تخلّصتُ مِن وسواسي الذّي ينُصُّ على أنّك قَدَري، وأنَّ قهوَتي صَباحًا لا تليقُ إلّا أمامَ عينيكِ…
لَم أعُد أراكِ عندَما تلمَع عينُ طِفلة في الأرض، أو نجمةٌ في السماء، لَم يعُد وُجودَكِ أساسيًا كالدواء والماء…
لَم يعُد أمرَكِ ضروريًا أثناء يومي، ولكن في نهاية اليوم…
أعودُ إلى بَيتي مُنتصب القامة أَهذي بأنني تغلّبتُ على رؤيتك في الأشياء ومُخاطبة عيناكِ، أدخُل إلى غُرفتي بينَما الظلام يُخيّمُ على مُعظمها، لتَفوحَ من الغُرفة رائحة طيّبة، ويخرُجُ من الرُّكنِ ضوءٌ ناعِمٌ كالسّلام، ووجهٌ خِطرٌ كالحَرب، لا لستِ أنتِ، فأنا حتمًا تخلّصتُ منكِ، بَل وتخلصت من أنّك أخطر من الحَرب، وأنعَم من السّلام…
لَم يعُد أمرك ضروريًا يا عزيزَتي، لكنّكِ رحلت من كُل الأماكن، ونَصبت خِيامَ الشوقِ والجُنون داخِل غُرفَتي، فوقَ سريري، في شَوارِع نَومي وبينَ أزقّة أحلامي.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.