في البيت العتيق بين بعثرة الكتب أعيشُ أنا وحيدًا بين فناجين القهوة والكتب والأفكار. أجلسُ على الأريكة أحصي ما تبقى من خيبات، أفكر في حياتي التي مضت دون جدوى أو معنى حقيقي. أقولُ لنفسي إنني أجد الكتابة في زمن تباع فيه الكتب على بسطات وأسواق شعبية.
أحاولُ أن أستجمع شتات نفسي، أن أجد قطعة من الروح التي ضاعت بين سطور الكتب. لقد كان هنالك زمنٌ ما، حيث كانت الكتب تُقرأ بشغف، تُقلب صفحاتها بيدين مرتجفتين من الحماس. كان الكتاب حينها ينبض بالحياة، يحمل في طياته عوالم لا حدود لها، عوالم تفتح أمامك أبوابًا سحرية نحو عوالم أخرى.
لكن الآن، أين أنا من كل هذا؟ الكتب تملأ الأرفف، ولكن قلَّما يمد أحد يده ليقرأ، ليغوص في هذه العوالم. أصبح الكتاب مجرد سلعة، يُباع ويُشترَى كما تُباع الخضروات في السوق الشعبي. هل فقدنا نحن البشر القدرة على التقدير؟ أم تاهت عقولنا في متاهات الحياة العصرية، حيث لا وقت للتأمل والتفكير؟
أفكر في فيودور ميخايلوفيتش دوستويفسكي، كيف كان سيكتب عن هذا الزمن؟ هل كان سينظر بعين الشفقة إلى هذا العالم، أم كان سيغوص في أعماق النفس البشرية ليكشف عن تلك الزوايا المظلمة التي نخشى مواجهتها؟ أجد نفسي أستمد قوة من كتاباته، من تلك الفلسفات العميقة التي تغوص في جوهر الوجود والإنسانية.
أفكر في "الجريمة والعقاب"، كيف أن راسكولنكوف عانى صراعات داخلية، كيف كانت الأفكار تتصارع في عقله، تتشابك وتتلاطم كأنها أمواج عاتية في بحر هائج. كم مرة شعرتُ أنني راسكولنكوف؟ أنني أحمل أثقالًا داخلية لا يمكنني الإفلات منها، أثقالًا تجرني نحو هاوية لا نهاية لها.
أفكر في كل تلك الشخصيات التي خلقها دوستويفسكي، شخصيات معقدة، متناقضة، تحمل في داخلها بذور الخير والشر معًا. هل نحن جميعًا مثل هذه الشخصيات؟ هل نحمل في داخلنا نفس تلك الصراعات، نفس تلك الأفكار المتشابكة؟ هل نحن قادرون على الفكاك من هذه الدوامة؟
في هذا الزمن الذي فقد فيه الكتاب قدرته على التأثير، أجد نفسي أبحث عن معنى، عن جدوى. هل يمكن للكتابة أن تكون وسيلة للنجاة؟ هل يمكن أن نجد في الكلمات ملاذًا من الفوضى والعبثية التي تملأ حياتنا؟ أم أن الكتابة نفسها أصبحت مجرد وهم، مجرد محاولة يائسة للتمسك بشيء ما في عالم يتفتت أمام أعيننا؟
أسئلة كثيرة تجول في خاطري، لكنني أجد الراحة في الكتابة، في تلك اللحظات التي أُمسك فيها القلم وأترك الأفكار تتدفق كالنهر. ربما لا أجد الإجابات، لكنني أجد شيئًا من السلام، شيئًا من الطمأنينة في هذه العملية البسيطة.
وأعود لأقول لنفسي: حتى في زمن تُباع فيه الكتب على بسطات وأسواق شعبية، ستظل الكتابة تحمل في طياتها شيئًا من السحر، شيئًا من القوة التي لا يمكن أن تندثر.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.