كمن يشحذ الودَّ، لقد كان يائساً إلى حد الوجع، أيامه تمرُّ والتنفس كان أصعب ما فيها، لا يعلم إلى أي مدى عليه قمع ما بداخله أكثر..
كان قلبه صدئاً وجرَّب الكثير لمداوته، وربما دندنته مع أحد الأصوات وسمفونياتها، وقراءة الكتب، والنوم لساعات طويلة بالنهار كان أكثر ما جرَّبه، ولكن ذلك لم يجدِ..
لقد وصل صبره لآخره وتحمله قد فاق حده، لذا قرَّر قطع كل سبل الألم التي تأكل فيه دون هوادة، ودفنه ببطئه المرير معاً في جوف ظلمات كآبته..
أقبل على الموت متعجلاً، ولم ينتظره ليأتيه بنفسه، أيام مضت وهو يقول "كيف سأفعلها؟"
كانت تلك الأيام هي ما أخرته عن التقدم وتنفيذ مهمته، فقد بدا وكأن أفكاره تحتاج بعض الوقت لتعمل فيه بحماس، وتقرر يا ترى قطع شريان، إشعال النيران، تجرع سم، أو قذف جسده من علو مناسب سيكون أسرع، فلم تكن له رغبة في مزاولة ألم آخر يعانيه قبل انقباض أنفاسه الخيرة على أي حال..
يريد موته أن يكون سهلاً، سريعاً وسلساً، دون أن يلاحظه أحد حتى، فلا يريد أن يحمل هم إمكانية إنقاذه وتخريب الأمر..
قال بالقفز سيكون أسرع وإن كان ألمه كبيراً، لكن سيكون لثوانٍ فقط، المعدات التي سنحتاجها الآن بناية عالية، مكان خالٍ، وأرض صلبة تستقبل جسده بارتطام حاد معه يفارق الحياة..
وجد معداته واستعد لمهمته وأحكم الرقابة، للتنفيذ بسرية تامة، الوقت والمكان وهو، كل شيء جاهز، وعندما وقف على حافة السور نظر للأسفل لأين سيتجثث جسده بعد ثوانٍ.. آه أجل ستكون ثوان سريعة وقفزة سهلة وينتهي كل شيء"..
أخذ يشجع نفسه ويحاول دفع نفسه للأمام لإنجاح الأمر، لكنه لم يتحرَّك وشعر بالغضب وبقوة لتردده الآن، فأخذ يستجمع قواه لآخر مرة ويلملم شتات نفسه، فرفع رأسه للأعلى مغمض العينين يأخذ شهيقاً ويخرجه زفيراً، وحال إفراجه عن جفنيه واتضاح بنيتيه، جذبته تلك الزرقة التي قابلتها..
نظر إلى السماء للحظات، وبغير إدراك منه، فيها شرد، كم كانت صافية جميلة ومريحة للنظر، سكن متشبث النظر إليها وكأنه نجاته، لا أفكار في عقله، لا رغبة في أي شيء، ولا انتباه لأي شيء، لا شيء كان مذهولاً، وكأنه لأول مرة ينظر إليها..
والغريب أن ما جاء في رأسه، بعد لحظات طوال من صفاء ذهنه وغيابه عن الدنيا أنه ينظر إليه هو الآن..
إنه فوق تلك السماء والسموات الست التي فوقها، عالِمٌ به وموجود لأجله قبل كل البشر، وعندها صدرت منه جملة بكل شكواه..
"يا ربي الألم يقتلني، وأنا لا أريد أن أموت".
وفي لحظتها تراجع بضعف وانهيار احتكم عليه وصيَّره جاثياً على ركبتيه يبكي، بل انهمر وفي بكائه تدفقت آلام عَظُمَ حجمها من داخله تخرج في دموعه، ثم أهداه الحق سجدةً فجع بها ببكائه أكثر، وأكثر..
فأين كانت قبل آنه هذا، بكى وبكى وأراد أن يبكى أكثر بين يدي ربه، لقد أهداه الله سجدة، ونعمة الإدراك بالبقية تباعاً، يومه ذاك عرف فيه دواءه، عرف لمن يلجأ في هوانه، أصبح محباً بل عاشقاً للشرود في السماء وجمالها..
لقد أعد السبل كلها قبلاً ليلقى فناءه، لم ينقذه بشري، ولم يدرك بحاله إنسي، لقد كان في أمان الله ولا أحد آخر.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.