منذ أحداث داعش والمعلومة بيوم الأحداث الكاراثية 2014/8/3م التي حلت بإخوتنا، ومن هذا المنطلق وبأشهر قليلة تطوعت في مجال الإنساني، وانسكب هذا العمل وتحرك في داخلي.
حينها اتخذت هذا العمل بجدية ومسؤولية ووضعت على عاتقي لمساعدتهم ووهبت وقتي وجهدي لخدمتهم والتعايش معهم؛ لكي أدرك معنى النزوح، وأتفهم وأعيش آلامهم، وأشعر بمعاناتهم.
وأضع نفسي في مكانهم لكي أشعر بماذا يفكرون وبماذا يشعرون في هذه اللحظات الحرجة والقاسية التي أصابتهم من تهجير وتدمير منازلهم، وسرقة ممتلكاتهم، وفقدان أعزاء على قلوبهم.
وقتل وسبّ نسائهم واغتصاب، وحالات انتحار، وحالات نفسية من جراء الأحداث التي أحاطت بهم.. إلخ، والمعذرة على هذا الاستذكار والصيغة التي لا تليق بهم.
التحقت بالمجال الإنساني التطوعي الخدمة المجانية حُبًّا لهذا المجال، ونظرًا لما يناسب تخصصي وقدراتي المهنية في مجال حقوق الإنسان والطفولة، وأصبح لي سنوات في هذا المجال.
بعد انخراطي والمباشرة في المجال الإنساني من خلال تقديم المساعدات، فإنني قد أحببت هذا المجال خاصة أنه يومًا بعد يوم كان يترك أثرًا لدي وانطباعًا خاصًا مليئًا بالسعادة لكوني أحد المشاركين بهذه الخدمة التطوعية، وهذه الاستفادة انعكست عليَّ بشكل شخصي وعلى زملائي وأسرتي، حتى أنّني نقلت لهم بعض الأساسيات في هذا المجال.
لقد استفدت من برامج كثيرة من ضمنها التعرف على المعايير الأساسية في المجال الإنساني، ولا يستطيع الإنسان أن ينخرط ويتطوع في العمل في المجال الإنساني يجب أن يفهم ويدرك إنها تكلفة بوقته.
إن لم يكن قادرًا ومضحيًا لخدمة المحتاجين ويضع محبته لأجلهم، وإن لم يتعايش معهم وإن لم يكن واهبًا نفسه، ومستعدًا للخدمة واضعًا نفسه في مكانهم، ولا يمكن لإنسان أن يمارس عمل الخير دون إنكار الذات، وهذا المجال يمثل راحة نفسية واجتماعية بالنسبة لي؛ لأنك تتعامل مع أخيك الإنسان وتدعمه وتسانده لانتشاله من محنته...
وسبب تواصلي في هذا المجال هو مساعدة الناس بقدر المستطاع من خلال الاستمرار في تزويدهم بالخدمة التي من شأنها أن تساعدهم في التخفيف من معاناتهم وهذه إحدى الأسباب التي جعلتني أستمر في عملي، محبتي لهذا المجال وشغفي هو السبب الرئيس وراء استمراري الذي يجعلني متمسكًا في هذا المجال.
من خلال عملي وجولاتي التقيت مع كثيرين مع إخوتي النازحين من خلال تقديم المعونات، والجلوس معهم وسماع قصصهم المحزنة والأليمة المليئة بالصعوبات والمأساة وحالات بائسة تستوجب الإنقاذ والمساندة، وتصورت مدى صعوبة ووطأة هذه الظروف التي واجهوها وسيواجهونها من الضغوطات، وحجم معاناتهم التي عاشوها وكنت أعجز عن توفير الإجابات لمساعدتهم.
ذات يوم كنت في إحدى جولاتنا الميدانية مع المتطوعين لتقديم المساعدات، تقابلنا مع الكثير من النازحين وقمنا بالاطلاع على ظروفهم القاسية، وأتذكر حينها حين دخلنا أنا وصديقي في أحد الهياكل، والتقينا بإحدى النازحات وكانت الصدمة أنها كانت ترتدي ملابس سوداء ومحتضنة أحد أطفالها بين ذراعيها، وسأل صديقي أين والده؟
ارتجفت شفتاها وبحزن عميق أجابت: استشهد قبل شهرين في محور سنجار، ومدت يديها على الصورة وتحولت إلى سماء مُمطرة، وأمطرت عيناها بدموع أليمة ممتلئة بالوجع، وأدركت حينها أنها تعود لزوجها الشهيد ضمن الجرائم التي حلت عليهم في سنجار.
والشاهد على هذا المشهد الصادم صديقي الذي كان يعمل معي انهارت دموعه كالأطفال، والحزن غطى وجهي تمامًا، وبقيت بوضع السكوت، ولم أتجرأ أن أقدم الكلمات والجُمل لهذا المشهد المؤلم والصادم، هذا أحد المشاهد المأساوية التي شاهدتها خلال جولاتي الميدانية.
لامستني وأثرت في ولم تغب عن بالي، وهناك الكثير من المشاهد التي لا تعد ولا تحصى من الفواجع، وأحسست حينها بوجع وألم عميق ينتباهم، هذه المشاهد وغيرها علمتني أمور كثيرة، مَن لا يعيش الحوادث والكوارث لا يقدر أن يشعر ويتفهم المحتاجين بفقرهم وآلامهم وأوجاعهم والتعايش بالقرب منهم.
كانت تراودني الكثير من التساؤلات وتدور في مخيلتي: ماذا لو حصل معي كما حصل معهم؟ ماذا لو فقدت أعزاء على قلبي؟ ماذا سيحصل لي لو فقدت عائلتي؟ ماذا سيحصل لي وعائلتي في قبضتهم؟ ماذا لو فقدت منزلي وممتلكاتي وتعب سنين هدرت بلحظات... وهنا ماذا سيكون شعورك حينها؟ هل تخيلت معي هذا الشعور؟
صديقي القارئ هل فكرت معي بهذه الطريقة؟ أو هل قمت بتجربة في هذا الموضوع؟ وماذا كان شعورك؟ وبماذا ستصيب؟ هل تخيلت معي هذه المواقف؟
أتيحت لي فرصة من خلال عملي التطوعي التعرف على إخوتي النازحين، وتكوين صداقات وعلاقات ودية جديدة من بيئة غير بيئتي، فهذا أمر جيد تجمعنا الإنسانية وبعض المنظمات والخيريين، وهذا المجال يتطلب علاقات واسعة لهذا المطلب في مجال الإنساني، وكانت الفرصة التي تعرفت من خلالها أمورًا كثيرة، وكانت فرصة لصقل الإمكانيات وتبادل المعلومات مع مجموعات مختلفة من المتطوعين.
وهذا المجال زادني خبرة وتاريخًا لسنوات، وكونت لي سجلًا حافلًا في الأعمال الخيرية، وأطمع أن يكون لي المزيد من الخبرات من الذين لديهم خبرات واسعة في هذا المجال، ولو أتيح لي فرصة للمشاركة في دورات تدريبية أخرى في مجال إدارة الكوارث وغيرها وهذا سيزيد من إمكانياتي وخبرتي.
وأتعلم شيئًا جديدًا ويضاف إلى طاقاتي السابقة كما التحقت بدورات متقدمة في الصدمات النفسية، والطفولة؛ حيث ساهمت في تقديم عملي التطوعي، وبعد العمل المثابر قررنا تشكيل فريق للعمل وإنشاء صفحة على مواقع التواصل الاجتماعي للمساعدات وإطلاق المبادرات والاستغاثة لتقديم المعونات حيث تفاعلت بمدى قصير.
والتي ساعدت على التخفيف من صعوباتهم، وقد ساهمت في الإنتاجية لخدمة المحتاجين واستخدمتُ خبرتي في المجال التطوعي فالحاجة كانت مُلحة لذلك، ولا أزال مستمرًا، وأستفيد من عملي التطوعي حيث نقوم من خلال مجموعة من الشباب والشابات المتطوعين بتنفيذ برامج الإغاثة والبرامج المتعلقة بالطفولة.
مجال الإغاثة علمني القيادة والإدارة وقت الأزمات، تكونت لي خبرة طويلة في العمل التطوعي من منطلق مساعدات واكتساب الخبرات لتقييم الأوضاع وتوزيع المساعدات، وبالفعل استطعنا إيصال المساعدات إلى النازحين، أثناء توزيعنا المساعدات، والضيافة، لقد أحرجونا بكرمهم وطيبة قلبهم.
وهناك الكثير من المواقف والأحداث التي مرت بنا في المجال الإنساني التطوعي، كان لها عظيم الأثر في تأكيد عزمنا وإصرارنا على مواصلة مهمتنا الإنسانية، والكثير من الأمور تعلمتها من خلال عملي التطوعي.
كما كان لاختلاف الجنسيات والثقافات أثر كبير في إثراء تجربتي فتبادلنا معهم الخبرات والمعرفة من خلال العمل الجماعي، والتعاون الذي يضمنا تحت مظلة واحدة وهي العمل الإنساني، وقد حرصت على مشاركة تجربتي، بصعوباتها ومميزاتها والدروس المستفادة منها، مع فريقي لغرس روح العمل المجتمعي في نفوسهم، وتشجيعهم على المشاركة في مجال العمل التطوعي.
بنظري إن العمل التطوعي هو مطلب يجب أن يكون عند كل الناس؛ لأنه يترك انطباعًا وأثراً على النفس التي ساهمت في تقديم شيء للآخرين، شيء يساهم في تغير حياتهم نتيجة ظروف معينة يعيشونها، ومن هنا فإنني أنصح كل جيل الشباب أن يبادروا في المساهمة في هذا المجال لأنه سيكون له أثر إيجابي في حياتهم وحياة غيرهم.
وأقول لكافة الشباب بأن التطوع ليس فقط أن تبذل لمساعدة الناس، فهو نمو ذاتي وروحي، التطوع ينمي الإنسان نفسيًا، ويطور مهاراته الشخصية والإدارية، وبخاصة عمل الإغاثة الذي يمتحن قدراتك في الأزمات وإدارتها.
كل هذا إضافة إلى بناء شبكة علاقات مميزة، وكلمتي للشباب أن تبحث عن شغفك، وتطوع فيه فهو استثمار شخصي ومجتمعي، فيوجد الكثير من الجمعيات والمبادرات الشبابية التي تساعد على ذلك ويمكنك التطوع من خلالهم، لا تفي كل الحروف والكلمات للتعبير عما يمكن استشعاره من تقديم المساعدة لمن نظن أنهم بحاجة لنا في هذه الأوقات العصيبة والمتأزمة...
التطوع يعني التكافل والتعاون والمشاركة في المجتمع والتضحية والإيثار، لذا تطوعوا ما دمتم قادرين على العطاء لتستشعروا ما تمتلكون من النعم وإن كانت لا تذكر فالحياة مليئة بمن لا يمتلكون سوى الأمل، لقد نما التطوع داخلي حب العمل الإنساني حيث أني خرجت بمهمات إنسانية وإغاثية.
وهذه المهمات لمست قلبي وأدركت معنى المجاعة والفقر والتشرد، إن اتخاذ قرار التطوع خاصة بالمجالات الإنسانية يعود على الشخص بالنفع واكتساب خبرات ومهارات جديدة لذا أنصح الشباب بالعمل التطوعي.
في العمل التطوعي اكتشفت الصفات الكامنة في ذاتي، منها القدرة على القيادة والصبر، الأمر الذي أسهم في تقوية شخصيتي وزيادة ثقتي بنفسي خصوصًا أنني أقوم بعمل تطوعي يسهم في خدمة المحتاجين، وبلا شك انعكس ذلك ليس فقط في عملي بل على حياتي الشخصية كذلك.
أود أن أحث الجميع على المشاركة في الأعمال التطوعية لما لها من أثر كبير في إثراء مهاراتهم وخبراتهم في حياتهم العملية، وأيضًا في حياتهم الشخصية، وأن يتبنوا هذا الدور الإنساني في تعاملهم مع الآخرين.
تعلمت تلك الرسالة النبيلة التي تهدف إلى مساعدة الإنسان بغض النظر عن جنسه أو عرقه أو لونه أو دينه أينما وُجد كما أود أن أتوجه بخالص الشكر والامتنان لإتاحة هذه الفرصة الفريدة لي بأن أشارك في مجال العمل التطوعي.
بالعمل التطوعي تُعلم وتتعلم، ورسالة أمل تُشعرهم بأنهم مُهمين وذوي قيمة وغير متروكين، ومن لا يشعر بأخيه الإنسان لا يملك الإنسانية، فاقد الشيء لا يعطيه.
هكذا كانت رحلتي ومسؤوليتي مع المجال الإنساني، لا بد من التضامن وتبني قضاياهم وتحويلها إلى حمامات السلام لتعود عليهم بالنفع والخير ونرسم لهم أبواب السلام والرجاء؛ لأنهم على استحقاق على ذلك، وليكون لهم الأفضل.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.