من المتعارف عليه طبيًّا، أن الإسراف في تناول مادة معينة يودي بمتعاطيها إلى الإدمان، وهو إحدى حالات التشخيص الطبي التي تعني المغالاة في استهلاك مادة معينة أو الإفراط في مزاولة سلوك بعينه، والمصب الأخير لكلا الحالتين هو تدمير المنظومة الجسدية!
سوسيولوجيا الواسطة أو كما يطلق عليها فيتامين "واو" لمواراة دنس الفكرة، مهلًا! هل قلتُ "دنس" وهل هي حقًّا رجس من فكر مجتمع أفرط في البيروقراطية حتى غرق فيها وكفر بالحداثة والرقمنة!
في اعتقادي أنها كذلك فعلًا! قد يختلف معي بعضهم ولكن الجميع متفق على أننا لا نزال نقف في الصف، محمَّلة أيادينا بـ(كومة) ورق، هي للمعاملة التي تضعني في احتياج كبير لاعتمادها، لأنها بطريقة أو بأخرى هي السبب في تعطيلي عن انطلاق مشروع ما باختلاف فكرته وحجمه وألوانه.
قبل بضعة أيام، كنتُ أمارس الروتين ذاته الذي أصبح جزءًا من العملية برمتها، أحمل أوراق المعاملة وأحاول العثور على الشخص المناسب الذي لا تكتمل المعاملة دون اعتماده!
كان كرسي مكتبه فارغًا، ويبدو أن جهاز الحاسوب لديه يغط في سبات عميق منذ مدة، وليس ثمة مؤشر على وجوده أو على أن المكان لا يزال يتنفَّس، حتى صندوق التكييف الذي اعتادت حواسي ريحة أنفاسه وهو يبثها كوحش ينازع، كان قد مات أيضًا.
خرجتُ من المكتب لأسأل ما إذا كان صاحبه موجودًا أم لا، كان أول من صادفت في الممر فتاة عشرينية، تمشي بهوادة ويبدو أنها تتحدث همسًا في هاتفها، استوقفتها لأسألها عن صاحب المكتب وصاحب الاعتماد الأوحد، بدا لي أنها لم تتعرف عليه ووجهتني إلى ثالث مكتب على الجهة اليسار، مشيت بخطًا سريعة، كانت الساعة الحادية عشرة والنصف.
وقفتُ أمام المكتب الذي يحوي مكاتب عدة على اليمين واليسار.. مجموعة من الموظفين شبابًا وإناثًا يقفون ضاحكين أمام دلة القهوة والحلوى، شعرت بالحرج وأنا أقتحم أوقاتهم، بعد الاعتذار سألتُ عن صاحب المكتب، ثم تناول الجميع مناقشات متفرقة حتى انتهى النقاش إلى أن فلان الفلاني (صاحب الكرسي) في إجازة حاليًّا، ثم السؤال البديهي جدًّا الذي أطلقه لساني، من يحلُّ محله؟ والإجابة الصادمة، أنه الواحد الذي لا يحل محله أحد!
طبعًا لن أتحدث عن العشوائية المطلقة التي يعمل تحت ظلها هذا الفريق، ولا عن تدني أو انعدام الحس بالمسؤولية، ولكنني بعد إذ وقعتُ في مأزق التعطيل الكبير، وجدتُ أحدهم وقد همس لي دون أن يعرفني وهو يقول، "روحي عند فلان الفلاني في الطابق الثاني وقوليله أنا من طرف فلان وبيخلص لك الموضوع".
وجدتني أهرول إلى فلان وقد انفرجت أساريري، وفعلًا أنهى الأخير إجراءات المعاملة وأنجزها بتجاوز اعتماد الموظف الغائب! أي أن بوب هو عمه!
من هنا، بدا لي السبب الحقيقي والمنطقي وراء بطء الخُطا في تخليص المعاملات سواء الفردية أو التجارية، وهي في المقام الأول مركزية القرار التي تكاد تكون في كل مكتب!
نحن في الحقيقة لا نحسن رسم منظومة متكاملة تعمل بصفتها فردًا واحدًا، ولا نتقن توزيع مهام الخلية باتساق كما يفعل النحل، ليخرج لنا بخلية متكاملة متناسقة لا ندرك عيوبًا تشوبها لأن الإنتاجية ترتق أي عيب، وهذا تمامًا السبب الرئيس وراء تعثر عجلة التنمية.
في الحقيقة، غالبًا ما تُنجز لك معاملاتك بوساطة معرفتك بفلان أو بمعرفة فلان الذي يعرف فلانًا، وهكذا تجد نفسك تخوض سلسلة متدرجة من مجموعة من الفلانيين.
يحدث كثيرًا أن نشهد قفزات صاروخية لبعضهم في جهات تنوعت درجاتها، ولا ضير أن يوضع الشخص المناسب في مكانه باعتبار إمكاناته الدراسية ونشاطه الفكري عملًا بالآية الكريمة "مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا"، ولكن أن يُعقلن غير المعقول، فيوضع أحدهم لأنه قد تعاطى جرعة نشطة جدًّا من فيتامين واو ليدير الدفَّة دون أدنى دراية ثم يزجُّ بالسفينة ومن فيها إلى هاوية مظلمة فذالك هو الخسران المبين وهذا هو عين الانهيار.
لأذكر لكم مثالًا حيًّا، وهذا ما شهدته عيناي شخصيًّا، قبل مدة بسيطة، توجهت لإحدى المؤسسات الخدمية طلبًا لخدمة تندرج حسب التصنيف المؤسساتي تحت قائمة طلبات الخدمات التجارية، وهي بلا شك تُعامل باحترافية وبفريق مختص، وهكذا استجابوا للطلب واستلمت على إثره رسالة نصية مفادها "شكرًا لقد تم استلام الطلب وسوف يقوم الفريق الفني بالعمل عليه فورًا".
ثم وبعد أسبوعين من تقديم الطلب والمتابعة الحثيثة هاتفيًّا من قبلي، تأتي الخدمة الـ(فورًا) بالفريق الفني لاستكمال إجراءات التنفيذ، يؤسفني أن الفريق الفني الـ(المحترف) والمختص بالمعاملات التجارية لم يوفق في تنفيذ مهامه وأداها بطريقة خاطئة تمامًا ما اضطرني لتقديم بلاغ آخر ثم بلاغ ثالث حتى تراكمت البلاغات لأكثر من 50 يومًا! ولم تنتهِ المشكلة بعد!
وأعتقد أنها أصبحت مملة في إطارها الخارجي للفريق الفني حتى أصبح يتجاهل مكالماتي وبريدي الإلكتروني، وبعد ما يقارب الشهرين تذكرت أن اجتماعًا قديمًا جمعني بالرئيس التنفيذي للشركة وأنني لا أزال أحتفظ برقم هاتفه.
تحرجت مبدئيًا من مهاتفته حتى وصل بنا الحال إلى أن يخبرني الموظف المسؤول أن علي أن أقدم بلاغًا آخر للتعجيل في سير العمل! هنا كان لا بد لي أن أتواصل شخصيًّا مع الرئيس التنفيذي الشيخ فلان، وبالفعل تواصلت معه شخصيًّا وقُدمت لي الخدمة في أقل من ساعتين بعد مهاتفته! وهنا كان بوب هو عمي!
ومثال آخر، أذكر لكم المرحلة التي أغرقوا فيها المؤسسات بالخريجين الحديثين بصفته حلًّا جزئيًّا في ملف الباحثين عن عمل، توافد إلينا في المؤسسة التي كنت أعمل بها عدد كبير من الشباب (إناثًا ورجالًا) حديثي العهد بأجواء العمل وبروتوكولات المؤسسة العملية.
فكان بعض الشباب من الذكور يتملقون رؤساءهم، وكان بعض الإناث يتقربن بالقول والعمل إيحاء وإيماء لرؤسائهن، حتى غلبت سطوة الغنج والدلال على مصلحة العمل، فكان أن اعتلت إحداهنَّ السلم الوظيفي قفزًا عموديًّا قيل في ما قيل عنه إنه قفز كنغري بامتياز! وأيضًا لعمها (بوب) الدور الأكبر.
أما عن "بوب هو عمك"، فهذا تعبير دارج في بريطانيا يصف التوظيف المكثف للواسطة، وتعود القصة إلى اللورد روبرت سيسل الذي تولى رئاسة الوزارة في بريطانيا 3 مرات غير متتالية ولكنها في مدد قريبة جدًّا من بعضها، إذ تصل المسافة بين المدة الأولى والثانية إلى 5 أشهر فقط، حتى كان اليوم الأخير له في رئاسة الوزارة في 11 يوليو 1902 ليخلفه ابن أخيه آرثر بلفور في المنصب نفسه، وهو ذاته من أصدر وعد بلفور الذي نص على دعم بريطانيا إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.