في طفولتي كان الوقت بطيئاً جداً، كما لو أن الأرض لا تتحرك، قيل لي أنها تتحرك، وهي المسؤولة عن سير الوقت الذي يجعلنا أكبر، لطالما سمعت ممن حولي الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعكَ، لكن اعتقدتها كذبة، فالوقت ليس لديه يدين ليقطع، لكنه كان ماكراً كالثعلب.
فكان يأخذ كل يوم قليلاً مني دونما أشعر، فيرسم بيديه ملامحي الصغيرة الدقيقة ويحورها بأخرى شابة، وينحت بأصابعه شكلي الطفولي المضحك ويجعله لفتاة مكتملة، ويغيِّر تصرفاتي الصبيانية الشقية لأخرى ناضجة باختباراته.
كان يمحو أثر صوتي الصغير الناعم، ويجعل منه صوتاً رقيقاً ولطيفاً، لم أعي حقاً سرعة الوقت، لم أدرك طريقته في تسيير الأمور، كان سريعاً للغاية، فتارة كنت أجري خلفه ولا أدركه، وعندما صرت منه ضجرة تركته يجري وحده، فهو لا يلبي لي طلباتي.
فقد كنت أريد رؤية وجهي في المرآة، وأنا فتاة كبيرة ناضجة وليس الانتظار لأصبح كبيرة، كان وجهي لا يتغير مطلقاً بالنسبة لي، كل صباح كان كما تركته الليلة الماضية، وعندما أردت رؤية كل شيء، وأن أنطلق في الحياة لأكتشفها بأسرع ما أستطيع، وأعرف ما أجهل، وأجرب كل شيء، رفض لأني ما زلت صغيرة وسيعطيني الوقت لأرى وأعرف وأجرب.
في ذلك الوقت، كنتُ أظن أنه لو كبرت يمكنني فعل كل شيء بطريقتي، لكن كان الأمر مجرد خدعة منه، فعندما كبرت بدأت كلمة لا بالولوج لتفاصيل حياتي، ويبدأ الوقت بوضع قوانينه عليّ، وبدأ بتسيير الأمور وفق طريقته، فذهبت كل خططي أدراج الرياح فلا يمكنني فعل كل ما رغبت به، طالما حلمت بسيارة تطوف بي الدنيا ولا تتوقف، وحلمت بالسباحة مع الدلافين كل يوم، ورغبت بالسهر لأرى أول خيط من خيوط الفجر تلامس خدي وتلثم وجهي برقة، حلمت بالسفر ورؤية العالم كله في ثمانين يوما، تجاوزت أحلامي حدود الأرض ووصلت حدود الفضاء.
لم يكن في قلبي حدود رغبت بفعل كل شيء مثير ومغري في الحياة.
تمنيت حياة كأفلام الأكشن والخيال العلمي لكن لم أحصل عليها.
تمنيت أن أكون بطلة كل مغامرة قد تحدث في الأفلام لكن كانت حياتي عبارة عن مسلسل قديم صامت بلونين فقط.
فهل هناك طريقة لتلوين مسلسلي؟ وهل يتسع الوقت لجعله ناطق؟
ربما سيمنحني الوقت وقتاً كما قال لي في صغري..
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.