خاطرة «المولود الجديد».. خاطرة إنسانية

الحياة هي ترنيمة الإنسان الكادح في هذا الكون، فهي القلب النابض الذي يحلم بالخلود في هذا العالم المحكوم عليه بالفناء والعدم...

الحياة هي تلك النزعة الداخلية المستعرة، لإثبات الذات وتأصيل الكيان... في زمن رديء لا كيان فيه، زمن استمد قوته وجبروته من سفك دماء البشر، ومن الرقص على جثث الأطفال الرضع، ومن الاستهتار بدموع الثكالى اللواتي فقدن أكبادهن، لا لشيء إلا لأنهم أحبوا الحياة، وأرادوا أن يعزفوا أغنية الوجود المقدس...

اقرأ أيضًا: خاطرة «البحث عن السعادة».. خاطرة وجدانية

ولكن هذا الزمن الغادر كشَّر لهم عن أنيابه، وصفعهم بيد من حديد لا تعرف الرحمة، ورمى بهم في كهوف النسيان والفناء...

إن الحياة في جوهرها، رحلة إلى كشف خبايا وأسرار النفس البشرية، أو بلغة أخرى الذات الحقيقية، التي تزخر بالإمكانات الجمالية، والفنية، والعقلية، والقادرة على نحت كيانها الأصيل على جدار الزمن...

الإنسان في هذا العالم المأزوم يحمل نعشه على كتفيه؛ لأنه يعلم أنه محكوم عليه بالموت قبل أن يولد. وكذلك الطفولة، فقدت إحساسها بطفولتها من هول ما رأته عيناها، من مظاهر الإذلال والخذلان...

فوأسفًا على ذلك البريق الذي كان يشع من تلك العيون البريئة الذي كان يحمل في ثناياه روح المحبة والانطلاق...

لم يعد للعالم، ذلك الوجه الأنيق، وتلك المعاني السامية، فقد أصبح وجهه متجهمًا، تجهم الطبيعة في يوم شديد عاصف، وامتزج بأنين الأطفال في كل مكان، وبصراخ الثكالى، وببكاء الأرامل، وبآهات الرجال، وبنحيب العذارى...

نعم لقد فقد العالم ضميره، وأصبح لا هدف له سوى القضاء على الحياة في مهدها...

إن هذه الغربة الوجودية، التي يحياها الإنسان في هذا العالم، لا يمكن التحرر منها والخروج من زنزانتها إلا بالعلم، والمعرفة، والوعي.

إن الوعي بعمق المأساة الإنسانية، هو أصل كل تغيير جذري في قلب البشرية، الذي نهشته أفاعي المعتقدات الرخيصة، وخدشت حياءه عناكب الجهل الموروث...

نعم فلا بد للإنسان الفرد أن يطرق أبواب المعرفة، ليعانق ما بداخله من قدرات وإمكانيات لا متناهية، ويحتفل بميلاده من جديد، ويلبس ثوب الإصرار والعزم، ويرفع راية النصر على المألوف، ويحطم أصنام المعتقدات الركيكة، التي عششت في أحشائه، وزادت تعميق جرحه، وروَّجت لمأساته.

ومن هنا وعبر هذه المنصة الحرة، أدعو كل إنسان حر، يحمل في قلبه ذرة إيمان بصدق رسالته النبيلة، وبجمال روحه الأصيلة، التي تنشد الحب والفن، والجمال، وتعشق ركوب المخاطر والأهوال، أن يطلق العنان لهذا المولود الجديد، حتى يتمكن من استرجاع روحه المضطهدة، ويعانق روح التحرر والانعتاق، فتعود له ابتسامته العفوية، ويستعيد بريق عينيه المشع الذي ينشر شعاعه الأبدي على العالم...

وأختم مقالي ببيت شعر للشاعر التونسي الكبير أبي القاسم الشابي الذي يقول فيه :
إذا الشعب يومًا أراد الحياة   فلا بد أن يستجيب القدر
ولا بد لليل أن ينجلي        ولا بد للقيد أن ينكسر

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

كلمات تستحق التقدير
ثرية جميلة بكل معانى 👍👍
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

الحياة جميلة وأجمل مافيها
انسان صادق مثلك دمت مبدع
❤🌹
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة