في زمن يسخرون فيه من الوقار واحترام الذات، ويرون أن الإنسان المحترم لا يستحق إلا أن يتوارى ولا يظهر إلا في الظلام فزمانه قد ولَّى.
والمطلوب من يجيد اللعب بالبيضة والحجر وبقيس خطواته بالمال، ويميت الإنسانية داخلها ويجعلها شيئاً منسياً حتى يتمكَّن من الحصول على كافة حقوقه بل ويزيد في ذلك.
وإلا وصفوه بأنه أهبل وعبيط وسهل أن يقنع بلقيمات صغيرة تسد جوعه، وقطعة من الملابس تستر عورته، وكلمات مدح بأنه طيب وجميل.
عند سماع هذه الكلمات يسخِّر نفسه وربما يقتلها في العمل؛ لأن مديره دائماً يضع الثقة فيه، ويراه هو ضمير المكان الحي، وأن الفرحة من كلمات الإطراء تجعله في سكرة من سكرات الزهو.
وعندما يذهب إلى فراشه وهو منهك من العمل ويقتنع أنه مديره يمطره بكلمات جميلة، وأنه العامل المثالي يكتشف أنه مخدر بالفعل.
وأنه لم يعش حياته لأن السيد المدير لا يتوقف عن تكليفه بأعمال كثيرة وهو ينجزها بسرعة ولا يتوقف، بل يطلب من مديره أن يعمل أكثر لأن لديه طاقة مستنفرة..
صاحبنا هذا لا يحصل على إجازات، بل يرى أنه إذا غاب توقفت تروس جهة العمل الذي هو كما يرى أنه أهم التروس الدائرة!
بمرور الوقت يفقد قيمته كإنسان، ويعتبر نفسه مجرَّد آلة تدور فقط، طاله الإهمال من نفسه، وجرى عمره ولا يحصل على مكافأة نظير الجهد الضخم في حين غيره من الذين يتسربون ويتركون الملفات في العمل ملقاة في كل مكان بكل إهمال.
ويحصلون على علاوات تشجيعية وهو محلك سير، بل الأصغر منه عمراً يتخطاه في الترقية وهو قابع على مكتبه في غيبوبة العمل ليل نهار يحرص على ألا تفوته صغيرة أو كبيرة، ويراجع ملفاته بدقَّة متناهية، ويحصل فقط على كلمات منمقة ويقول يكفيني ما يقوله المدير عني من مديح وإشادة.
ومديره المنافق عديم الضمير لا يراه، بل يجعله محاصراً على مكتبه بأعباء العمل، كل ما يشغل المدير وجود رجل بمثل هذه الكفاءة يعمل نظير كلمات ناعمة.
هذا المدير الذي فقد ضميره ولا يراعي هذا الموظف النابه يريده فقط في موقعه الوظيفي المتدني حتى يسهل قيادته.
الجميع يتندر على صاحبنا الجميل ويقولون عنه أنه "حمار شغل"، ونحن لا نهتم بالحمير لكن بالقرود التي تخدعنا بالحركات وهي تقفز بيننا وتحصل على نصيباً كبيراً من الموز والفول السوداني!
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.