المكان هو الدّافع القويّ الّذي يشعر الإنسان بالبقاء، ويلهمه الحياة ويتلو عليه آيات السّرور والفرح والحبور، هنا حيث يعيش الإنسان في عنفوان الشّعور بالبقاء دهرًا ينظر نحو اليمين والشّمال، ويجمع شتات نفسه جالسًا على ركام الحياة المختلفة والكثيرة، يحسّ بأنّ أهمّها ما كان ألذّها وتلك اللّذة لا تكتمل إلّا بما يقلّل من خطر التّنقّل أو السّلب.
إنّ التّصوّر المبدئيّ يتعلّق بما يجذبه أكثر من بني فصله ونوعه، فيجد الرّغبة الشّديدة الجامحة نحوه فيحاول قدر المستطاع أن يقترب من نصفه الثّاني وسبب بقائه الأوّل في الحياة، ويضمن له راحة نفسيّة، وسعادة غامرة فيبدأ بالبحث عن امرأة تناسبه في الفكر وتبادله مطبّات الحياة المختلفة .
وبعد الوقوع في الشّبك الزّوجي والتّزاوج ينتقل إلى ما بعده من الأسباب الّتي تضمن له السّعادة فيحاول أن يجد منزلًا، ومسكنًا مريحًا من جميع النّواحي، لعمر أطول ومنطقة أفضل، ومدينة أكثر تمدّنًا وكسبًا وحركة.
ثمّ ينتقل إلى ما بعده من عمل نافع وتجارة رابحة، فيسعى ويكسب ويجري ويهرول ويقطع الفيافي والقفار، ويرد الأوطان والبلدان، ويتعرّف على الثّقافات والتّجارات فيأخذ ما يناسبه و يمضي قدمًا .
وفجأة يجد أمامه ذريّة من ذكور وإناث ينتظرونه ويضعون مصيرهم على عاتقه، فيكدّ ويجدّ ويسعى ويحاول، وبعد كلّ هذا الجهد، والكسب، والتّجارات، والأعمال، والمعرفة، والتّعارف، يجد نفسه بين الحياة والموت ولا يسعه إلّا أن يلبي داعي الموت ويبقى اسمه لمن بعده، فإن كان قد عمل شيئًا جديدًا يبقى اسمه لزمن أطول، وفي منطقة أوسع، وإن لم يكن فإنّه يموت وتموت معه ذكرياته، وكلّ ما كان يملكه.
هنا وفي هذا المكان الفلاني قبره ومثواه الأخير، ثمّ يتناسى النّاس حتّى المثوى الأخير، ويأتي الدّور على أبنائه وذريّاته من بعده، وتمرّ الأيّام وتنقضي الأعوام.
هذا الإنسان هو المكين الّذي لا يفي له شيء في هذه الدّنيا إلّا ما قدّم من علم ومعرفة أو تجربة جديدة نافعة، وما سوى ذلك، فإنّ المكان الّذي ولد فيه وعاش، والمكان الذي دفن فيه، لا يسوى شيئًا لا له ولا لغيره.
أمّا المكان فإنّه أزليّ وصالح له ولغيره، إلّا أنّ المكين يمضي وليس له إلّا ما قدّم.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.