هل يمكنني أن أسألك ماذا تعني لك كلمة مشاعر؟
هل استوقفتك هذه الكلمة يومًا ما؟ أم أنها لم تعترض طريقك مسبقًا؟ أم أنك ترى أنه لا يجب أن نعطيها قدرًا كبيرًا من تفكيرنا والأولى أن نستغلّ ذاك القدر في صراع الحياة؟
لو أنك ممن يستمتعون بالتّوقف في بعض مراحل حياتهم يحلّلون ردود أفعالهم المفاجئة وينظرون إليها كما لو كانت من غيره وليس منه إذا فلتكن رفيقي.
ولو أنك لا تعطي لتلك الأفكار وقتًا وتمضي مسرعًا في طريق الحياة إيمانًا منك بأنّها أقسى من أن تمنحك الوقت والفرصة لتكفكف دموع عينك إذا فلتقبل دعوتي ولتكن رفيقي.
بداية يا صديقي سأحاول ألا أبالغ فيما تعنيه لي المشاعر.
مضيت لربما نصف عمري في حيرتي وانبهاري بالمشاعر الإنسانيّة ومدى براعة الخالق فيما منحنا، وعجزي عن فهم تناقضها في الجوف الواحد فكيف لنا نحن البشر أن نحبّ ونكره ونبكي ونضحك ونضحّي ونطمع؟ كيف لكلمة تهدمنا وبسمة تبنينا؟ وكيف نشعر بالسّعادة لسعادة من نحبّ ونحزن لحزنهم؟ حتَّى كيف للبعض أن يواري طيبته بقسوته لفكرته الخاطئة أن الطيبة ضعف؟
ألم تتعجب يومًا بعاطفة الأبّ والأمّ تجاه أبنائهم فما الَّذي يحدث بداخل الأمّ لتمنح كل ذلك الحبّ رغم أنها في قمّة الوجع تضحي بكلّ ما لديها لتمنحهم الراحة والأمان والأبّ الَّذي يشق سبل الحياة شقًا ويعود لأبنائه بما يسعدهم، يحني ظهره لتستقيم دنياهم.
الإخوة، ويا لها من روعة حين تتعلّق قلوب الإخوة ببعضها لا تهزمهم مصائب ولا تذلهم نوائب، ولا تنحني ظهورهم، ولا يتوه ويهلك صغيرهم، وتبقى البركة والودّ وصالهم.
الصّداقة ومشاعرها، ارتباطنا برفاق جمعتنا فقط الدراسة ثمّ التقت دروبنا وتجاوزنا صعبها مستمتعين بالرفقة، نتشارك أسرارنا، نبكي معًا أحيانًا من الضحك وكذلك في الحزن، وأصدقاء الطفولة الَّذين قرارهم في القلب مستقرّ مهما مرّ الزمن ومهما قابلنا.
الذّكريات وهنا لم أصادف أحدًا يشعر بالرّاحة، فلا كثير الذّكريات مع من فقد مرتاح القلب، ولا قليل الذّكريات غير منشغل بألمه، لم يكتفِ يومًا إنسان بما قضاه مع من أحبّ في هذه الحياة، فالطريق لا ينتهي بنهايتها.
أنت نفسك يا صديق تعرف كيف تكره وكيف تحبّ، تعرف مذاق الفرح ومرارة الحزن، أنت نفسك من يقرّر الشعور الَّذي يجمعك بكل من في حياتك، ولكن لا بد أنك تساءلت يومًا في نفسك لما فعلت ذلك، لما صرخت والموقف لا يستحق، لما ضحكت وليس هناك ما يضحك، لما لا تطيعني روحي، كيف دخلت في هذه الدوامة، لما أنا حزين، لما لا أبكي والموقف مؤلم، هل حقا أنا ضعيف..؟
هل تفهمت يومًا ثورة غضبك، هل تعرف حقا ما يسعدك وتفعله حين يأكلك الحزن، هل تعلّمت كيف تبني روحك، دعني أقول لك يا صديقي نحن في الحياة في صراع لا أنكر ذلك، ولكن من يرافقك في هذا الصراع حقا أكثر من ربك ونفسك.
ما رأيك بمن يراعون مشاعرهم بأنفسهم، بمن يربتون على أكتافهم، بمن يهونون على قلوبهم، بمن يمسحون دموعهم بأيديهم، ليس لوحدتهم أو أن لا أحد لهم، بل لإيمانهم برحمة الله خالق الرحمة ولتيقظهم لحقيقة أنهم أيضًا بشر يحتاجون مواساتهم لأنفسهم ولتقديرهم لذاتهم، وأن الإنسان الَّذي يعطى مشاعره قيمتها بالقدر المعتدل هو في مأمن من السقطات والانتكاسات، وأن تجاهلها وكأنها فرعيات ليس بالسبيل الصحيح.
لا تتجاهل نفسك في الخسائر أو لحظات الفشل هون عليها ومد يد العون لروحك لتقف من جديد، لا ترهب نفسك من الحبّ الحلال الجميل، لا تخفي طيبتك ورحمة قلبك بل لا تخفي حزنك وغضبك عبر عنه بطريقه سليمة واخبر من أغضبك، لا تكتم كلمات لوّم المحبّ في جوفك، تحدّث عن فهمك لموقف ما خيب ظنّك لربما أسأت فهمه، لا تحرم نفسك من أجمل ما يعطى الحياة معنى بدافع أنها ضعف أو أن هناك من سيفهما ضعف، أو أنها رفاهيات وليست بتلك القيمة.
أعتقد أن المشاعر هي مكوّن رئيسيّ في كل جوانب الحياة، جزء لا يتجزأ من مراحلها، هي مذاق المواقف، هي مدى معرفتك بنفسك وحتَّى من حولك، هي أحيانًا الدّافع لتحقيق هدف ما وأحيانًا قد تكون سبب التراجع أيضًا.
لذا اسعَ لترضى ربك؛ ليتزن قلبك ولا تتجاهل قوّة مراعاتك لنفسك فهي عدّتك وعتادك، لا تكن جلادها وعدوها ولا تكن أيضًا من يدللها ويرخي زمامها، اتقِ الله فيما منحك ولا تهرب من مشاعرك قوّمها ولا تستنكر أيا من المشاعر الإنسانيّة السليمة، أنت رفيقك.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.