أعيش في مجتمع تكثر إيجابياته التي تجعلك تحبه، وتحنُّ إليه دائمًا إن غبت عنه، ولكنه كأيِّ مجتمع آخر لا يخلوا من السلبيات، ومن أكثر السلبيات التي أرها في مجتمعنا هي ظاهرة الفهلوة.
وإن شئت فسَمِّها المجتمع الفتَّاي، والفتَّاي مأخوذة من الفتوى، ولا أريد بها الفتوى في الدين فقط وإنما في كل شيء، في الطب والهندسة وعلوم الشريعة والتكنولوجيا.
لا أعلم ليست كلمة صعبة، ولا تنقص من شأن قائلها بل ترفعه إلى عنان السماء؛ لأنه ببساطة يعرف حقيقة نفسه.
كثير من الناس يعرف بما لا يعرف، ويملأ سطورًا فارغة فقط، ولو بقيت بفراغها لكان أفضل، فسيأتي من يملأها بما ينفع الناس.
حينما كنت أشكو وجعًا في بطني، أو صداعًا في رأسي، فيقول أحد الزائرين علاجك في كذا وكذا، سواء أعشاب أو عقاقير، ولا علاقة له بعلم الطب.
وأحيانًا يقول مَن لا يجيد القراءة والكتابة: الدكتور الفلاني لا يعرف شيئًا علاجك في كذا. وهذا الأمر منتشر بكثرة خاصة في الأرياف.
وحينما أقدمت على بناء بيت أقبل عليَّ الفتايون يشككون في جدوى وجود مهندس يشرف على البناية.
بل الأدهى من ذلك حينما تذهب إلى كبير الفتايين بلا منازع، وهو رجل يجتمع عنده الناس، ويطأطئون أعناقهم أمامه، وهو يحركهم كيف شاء، ثم يأخذ أموالهم.
أظنكم عرفتموه.
إنه الحلاق.
كلما ذهبت إليه بادر بطرح مسألة من المسائل، وبما أنه يعرف أنني درست في الأزهر، فغالبًا ما تكون مسألة شريعة، ثم يبادر بالإجابة، بل ولا يألو جهدًا في إقناعنا برأيه، وإذا سـألني أحد الجالسين في مسألة لا ينتظر إجابتي ويبادر بالإجابة كالبرق الخاطف كأنه يحفظها، وربما كان على علم بالسؤال من قبل.
تصيبني الدهشة والشك، وغالبًا إجابته بعيدة عن الصواب كبعد المشرق من المغرب، ما علاقة هذا بمثل هذه المسائل، إنَّ علاقته بها كعلاقة الثلوج بالمناطق الاستوائية، ولكن هي عبارة عن شيء من الفهلوة، ولا يكتفي بهذا وإنما يظل طيلة الوقت الذي أمكث فيه عنده يقنعني والحاضرين برأيه، جربت غيره كثيرين، فأيقنت أنَّ هذا الهري من لوازم المهنة التي لا تنفك عنها، وهم بالكاد لا يقتصرون على مسائل الدين بل لهم باع في الرياضة والسياسة والاقتصاد.
وقد صدق الشاعر السوري حسام الدين جلول حين قال:
الكـلُّ في هــذي الديـــارِ مــدرّسٌ
والكـلُّ فيــها شــاعرٌ وأديـبُ..
والكلُّ إنْ شئتَ البنـــاﺀَ مهـنــدسٌ
والكلُّ إنْ شئتَ الدواﺀَ طبيبُ..
والكلُّ في علـمِ الحديثِ مُحَــــدِّثٌ
والكلُّ في علمِ الكلامِ خطيبُ..
والكلُّ قدْ درسَ الحقـوقَ وعلمَـها
والكلُّ في علمِ القضاﺀِ رهيبُ..
والفقـهُ عنـــدَ النــاسِ أمـرٌ هيـّـنٌ
فالــكلّ يفتــي دائمــًا ويصيبُ..
ما عادَ في هذي الديارِ تخصّصٌ
هذا لعمري مُخْجِــلٌ ومُــعِيبُ..
لـو كلّــــنا عَلـِمَ الحـــدودَ لعقلــه
ما عاثَ فينا جــاهلٌ وكــذوبُ..
ليس عيبا أن يقول أحدنا: لا أدري. إذا سُئل عن شيء، أو يسكت إذا سُئل غيره، دون أن يملأ الدنيا ضجيجًا لا فائدة منه سوى تشويش أفكار الناس.
كان علماؤنا لا يستحيي أحدهم أن يقول "لا أدري"، قالها إمام دار الهجرة مالك بن أنس 40 مرة في مجلس.
وقالها شعبة وهو محدث فقيه شهد له الجهابذة بعلو كعبه في الفقه والحديث.
وفي زماننا يستحي الحلاق وعامل النظافة وأصحاب الحرف المختلفة -مع احترامنا الكامل لهم- أن يقول: "لا أدري".
وقد قال الله تعالى: {وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} [سورة الإسراء: 36].
أرجو أن نعمل بهذه الآية ولا يتكلم أحد إلا في تخصصه، وإن كان في تخصصه ما لا يعرفه، فلا يستحي أن يقول: "لا أدري".
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.