لم أكن يومًا كغيري من الأطفال أهتمّ بالألعاب، لكنّني في عمر الثامنة أنجزتُ قراءة كتاب ألف ليلة وليلة، وفي عمر العاشرة أنجزتُ قراءة كتاب كليلة ودمنة.
في عمر المراهقة أنجزتُ قراءة سلسلة جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة... إحسان عبد القدوس... مي زيادة... زياد كنفاني... وأغاثا كريستي...
مسلسلي المفضّل كان عشرة عبيد صغار...
لقد كنتُ دائمًا الأولى في صفي... رغم إهمالي للدّراسة ولا أدرس إلّا وقت الامتحانات... وهذه العادة رافقتني كل حياتي الدّراسية.
لحظة! لم أقل إنني لم ألعب أو أراهق. نعم، لعبت لكن دائمًا كنتُ أنا إمّا الرئيس أو البطلة لا أرضى بدور الكومبارس...
لم أقل إنني لم أرسب، لقد رسبت في صف البروفيه رسميًا أمام كلّ لبنان بفارق علامة واحدة و(تنحت=تيست) ولم أكرّر تقديم الشهادة حضوريًا...
واعتبرت لحظة الرسوب تلك هي التي رسمت جدولة حياتي... للأفضل ثمّ الأفضل، والنجاح تلو النجاح دون النظر إلى تلك اللحظة إلّا للتعلُّم منها فقط وليس للأسف عليها...
توجهتُ مهنيًا كي أدرس علم المحاسبة، وهنا تكمُن المفارقة كيف يتفق حبّ الأدب مع علم المحاسبة، دماغ ومشاعر أيتفقان؟
نعم يا سادة، يتفقان وبكلّ أريحية...
أحدهم مستقبلي ونجاحاتي المتكرّرة والمنتظرة...
والآخر رسم شخصيتي منذ نعومة أظافري...
الكتب رسمتني وكوّنت كلّ تفاصيلي...
غيّرتني دعمتني... عندما كنتُ أرافق والدي في زياراته لأصدقائه..
كنت أتوغل داخل منازلهم كي أجد ضالّتي ألا وهي مكتبة، أتسلّى بقراءة أحد الكتب ريثما تنتهي أحاديث الزيارة الشيّقة...
في فترة ما تخليت عن البشر ورافقت كُتبي... ليلًا نهارًا... حتى في أوقات التسلية كنتُ... أفتح الكتاب وأتلذذ باكتشافه أنا وقهوتي...
حلمتُ أن أبني مكتبة في منزلي، بنيت واحدة تشبهني من الصخر وليس من الخشب كي لا يأكلها السوس... وكي تبقى شامخة رغم كلّ السنون التي ستمرّ متألقة رغم كل العتق.
تلك الصفحات حضنتني كثيرًا منذ طفولتي إلى الآن، غيّرتني، علّمتني كيف أحبّ، كيف أمارس الحبّ، كيف أشتاق، كيف أبكي، كانت الكتف عند الوقوع...
علّمتني الكبرياء عند انتهاء العلاقات...
وكيف أغازل زوجي بكلماتٍ استثنائية لا تعرف التكرار...
علّمتني كيف أربي أطفالي، كيف أجلسُ في المجتمع ويشتاق الجميع لسماع مناقشاتي رغم حديتها وتطرّفها...
علّمتني كيف أنصت، كيف أستلذّ بمحاضرة أحدهم أو بكلمات أحدهم...
علّمتني كيف أعتمدُ على نفسي، وأن حياتي هي ترجمة لأفكاري، وأن نجاحاتي هي من إصراري...
تلك الكتب، علمتني عندما أغمض عيناي، كيف أحلمُ بمستقبل الكاتبة والرّوائية المتألقة، جعلتني أتحسس نعومة إمضاء كتابي الأوّل...
وحضور تكريم نجاح فيلمي الأوّل... ربما في الأربعين ربما في الخمسين...
ربما أيضًا في السبعين...
لأنني مصرّة أن أصل إلى كلّ ما أريد وأن أحقق أمنياتي بتفاصيلها...
أن أنشر روايتي الأولى... وأكتب سيناريو فيلمي الأوّل...
أن أقتني سيارة أحلامي وأن أصبح ثرية معنويًا وماديًا...
وكل هذه الثقة تعودُ للصفحات التي ملأت حياتي، وبنيت ذاتي وأفكاري، بمساعدتها...
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.