خاطرة | الغربة
..
عند نطق تلك الكلمة يخيل لأذهاننا البعد عن الأهل في بلد آخر؛ لكن المعنى ذاته لها يختلف كثيرًا..
الغربة أن ترَ نفسك بعيدًا عن ما يحدث في الحياة لفترة محدودة قد تكون خمسة أعوام وقد تزيد..
الغربة أن تشعر بالوحدة وأمامك آلاف البشر والزملاء والجيران، لا يوجد ذلك الأب الذي يحنو عليك ويتفهمك..
لا توجد الأم التي تفهم حديثك دون النطق به، التي تقرأ عينيك وتشعر بما يشعر به قلبك، التي إن ضاقت عليك الحياة لا يضيق حضنها..
لا يوجد إخوتي الذين هنَّ وجهتي بعد وجهتي إلى المولى عز وجل، بل أنت مسؤول عن نفسك بشكل شبه كامل من مأكل ومشرب وملبس..
وأنت لنفسك الداعم المعنوي والنفسي..
وقد تضطر بك الظروف أن تكون الداعم المادي أيضًا، وأن تواجه مشاكلك بكل صلابة وقوة..
تعلمك الكتمان والمواصلة دون شكوى..
تعلمك المضي مهما صعُبت الحياة على قلبك..
تجعلك منك فتًا أربعينيّا وأنت لا زلت في سنة 19 من عمرك..
وإن شكيت حالك لأحدهم لا تسمع إلا ردًّا واحدًا: إنها أيام والأيام تمر سريعًا..
لا يعلمون أن يومًا في أرض الوطن بسنة عندك..
لا يعلمون حالك ومشاعرك وظروفك التي تواجهُها كل يوم في محاولة منك على التأقلم..
لا يعلمون حزنك ودموع قلبك على تلك الحياة التي تواجهها بمفردك وأنت ما زلت لم تتخطَّ سن 19 عاما من عمرك..
العمر يمضي والزمن يخُط على أحبابك بوادر النسيان والتعايش بدونك..
في كل مرة تعود إليهم المشاهد تتغيّر وأصحابها عن سابقتها، تشعر وكأنك أمضيت دهرًا غائبًا عن عالمهم..
أشخاص يختفون، وآخرون من تم عقد قرانه..
وكنت تود لو عشت تلك اللحظات معهم..
العالم يتغيّر مع أحبابك وأنت لا تعلم عنه شيء.. وكأنك شخص حضر من الماضي عبر آلة زمن يريد أن يعرف حال مستقبله..
وعندما يرى حال أحبابه من بعده يُخذل، ويود لو أنه لم يسافر، بل لم يأتِ على تلك الحياة بعد، الغربة لم تُخلق إلا للرجال؛ لكن لا ننسَ حقيقة مترسّخة على مدى العصور ولن يفهمها الكثير، الغربة مسخ، فلا تستهن بها.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.