الغربة... هي السحر الذي يشد الشباب إليها من غير وعي منهم... وهي الدنيا الوردية التي يحلم بها كل شاب يعيش في ظروف قليلة... وهي حلم كل شاب يريد الوصول إلى حالة مادية ممتازة... الغربة في عقولنا هي الحل الذي سوف ينتشلنا من مستنقع وُضعنا فيه دون إرادة منا ودون اختيارنا...
مستنقع مليء بالفقر أو مكان صغير نعيش فيه من أجل ستر أنفسنا... مستنقع عمل نتعب ونجتهد فيه ولا نأخذ إلا القليل القليل رغم تعبنا... مستنقع اسمه شهادة نأخذها بعد تعب سنين... تعبٌ بكل أنواعه، نفسي وجسدي ومالي، وبعدها نأخذ شهادتنا لنعمل بها ونُحسِّن من حالتنا لنصطدم بصخور واقعنا من فُرص عمل قليلة فنبدأ نفكِّر بالغربة من أجل تأسيس أنفسنا والعيش برفاهية ومن أجل أن نرى الدنيا وتطوراتها...
تأتينا فرصة سفر فنذهب ونعدُّ حقائبنا ونودِّع أحبابنا والبسمة لا تغادر وجوهنا... سوف نسافر... سوف نعيش الحياة الوردية... أجل أخيرًا سوف نخرج من فقرنا ونغير حياتنا ونودِّع كل شيء يخصنا... وداعًا لا يحمل معه أي ذكريات جميلة تصبِّرنا عندما يشتعل صدرنا اشتياقًا لهم؛ لأن وبكل بساطة لم نفكر في هذه اللحظات... جُلُّ تفكيرنا الآن هو السفر... السفر والخروج من الحالة التي تعبنا منها... ونبقى مسحورين لمدة وجيزة.
نسافر ونبدأ بشق طريقنا بالعمل وتأمين المنزل والحاجيات وترتيب المسؤوليات في بلد جديد تمامًا ونهدأ من أشواقنا باتصالات فيديو لأحبابنا... وتمرُّ الأيام سريعًا ويبدأ مفعول السحر يتلاشى ونبدأ ندرك أننا لم نخزن في صدورنا رائحة أحبابنا... لم نجعل ضحكاتهم ولمسات أيديهم تمشي في عروقنا... وأننا لم نتأمل ملامحهم جيدًا... نذهب لنطفئ أشواقنا باتصالات فيديو ولكن ننظر فنجد أنفسنا قد اشتعلنا شوقًا أكثر وأكثر...
الغربة قد تكون حلًّا لبعض مشكلاتنا ولكنها تحرمنا من أجمل لحظات حياتنا أن نعيشها مع أحباب قد يأتي أجلهم ونحن بعيدون عنهم فلا نستطيع تعويض أي لحظة قضيناها بعيدًا عنهم ويبدأ الندم يأكلنا... يا ليتنا تمهَّلنا قليلًا... يا ليتنا لم نسافر... وتبدأ كلمة يا ليت ترافقنا مع كل موقف يحصل معنا... فعلًا كل شيء في الحياة ذو حدين له سلبياته وإيجابياته ولا بد من التضحية بشيء من أجل نيل شيء آخر.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.