خاطرة "العشوائية".. خاطرة اجتماعية

متى نتخلص من العشوائية في كل شيء؟ العشوائية خسائرها لا تحصى ودون فوائد لأن قوامها العناد وقلة الحيلة، الممزوجة بعدم الخبرة، والنهاية انتكاسية واسعة تغمر الحياة العامة.

ليس عيبًا أن تعرف من غيرك معلومة أو تقتبس منه تطبيقيًّا، يمكن أن نختصر المسافات ولا نهدر مالًا لنخوض تجربة خائبة، ونزعم أننا مبدعون ومبتكرون، لن يعيبنا عدم المعرفة أبدًا لكن يعيبنا فقط التخبط الذي يعقبه الانهيار والسقوط في ما بعد، ويصعب ترميمه وإعادة هيكلته.
وأظن أن الكبر الذي يسكن في عقول بعضهم أتلف عليهم كثيرًا وما زالوا يحصدون نتيجة الخطأ، وقد كان من السهل عليهم أن يعبِّدوا الطريق قبل أن يدهسهم الواقع الأليم.
من أسهل الأشياء أن نفكك كل شيء، وندرك من خلال التفكيك المكونات البسيطة، وبذلك يمكن إعادة توطينها بطريقة صحيحة، وإذا تمكنا من فهم التفكيك سيصبح من السهل التحقق من قوام كل شيء متاح أمامنا، دون أن نقدم على ارتكاب جريمة العشوائية.
العشوائية في عرفي جريمة ضخمة، لأن الأجيال القادمة يمكن أن تدفع نتيجة جهل آبائهم الذين لم يقرؤوا متطلبات العصر بطريقة سليمة، ولذا كل ما صنعوه انعكس سلبًا على جيل بل أجيال قادمة، تكون ضحية الفكر الضيق، فنحن لا نجني على أنفسنا فقط، لكننا نجني على أجيال لا جريرة لها في ما صنع الآباء، الذين كان شاغلهم الإنجاب والتكاثر دون إدراك العواقب.
على سبيل المثال، شخص أنجب خمسة من الأبناء وراتبه لا يكفيه هو وزوجته، وطوال الشهر يعاني بسبب الاقتراض من الجيران، ويحاول أن يجد أكثر من فرصة عمل حتى يلبي الاحتياجات، ومع ذلك يلعن الأيام والزمن، ويلعن الدولة والمسؤولين، ويتهم المدرسين وأساتذة الجامعة، ولم ينجُ من لسانه أحد.

فهو عاش حياة تعسة، بل أصبح علامة ضخمة من علامات التعاسة، وورَّث أبناءه النكد والهموم، وصدَّر للجيران طاقة سلبية، وكل مجالسه تدور حول الهموم الزاحفة التي تلاحقه وتستنزف كل ما يصل إلى يده من أموال تكاد تسقط بين يديه ويتلقفها كل الباعة، وهو يعض شفتيه نادمًا وساخطًا، حتى أبسط متع الحياة غابت عن أولاده، الذين بدؤوا يدخلون سوق العمل وهم صغار لكن حصدتهم طواحين الحياة.

هو لم يعرف أنه يعيش حياة عشوائية، ونسي أن ينظم حياته، واعتقد أنه سيقدم لهؤلاء الأولاد ما ييسر عليهم الحياة، لكن الدهر خذله كما يقول، لكن حقيقة الأمر هو الذي خذل نفسه، لأنه لم يدرك أن متطلبات الحياة عريضة جدًّا، وكل يوم الغلاء يتبارى حتى يحصد كل المدخرات، ولأنه عاش عشوائية أنجب خمسة من الأبناء، معتقدًا أن الخمسة سيكونون له عونًا على الأيام، والآن حصد همومًا وتراكمت الهموم وفرمته وفرمت أولاده، وكان هذا حصادًا لكل عشوائية.
وما ينطبق على الفرد ينطبق على المجتمعات، لأن المجتمعات المستنيرة توفر كل ما يمكن توفيره لأجل الأجيال القادمة، وتنفق على الضروريات فقط، ولا تنفق بإسراف على أشياء لا جدوى منها.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة