العوائق التي يمر بها كل فرد قد لا تحصى، فلكل أمر عوائقه، وكلما كان الأمر أكثر فائدة كانت عوائقه أكبر، ومع هذا كله يوجد عائق واحد يقف أمام كل أمر، وأمام كل فرد دون استثناء.
قد يخطر في بالك أن الاقتصاد أو المال أو ما شابه ذلك هو العائق الذي أتحدَّث عنه، ولكن ليس هو ما يخطر في بالك من المعوقات الاقتصادية، إنما هو أكبر من ذلك بكثير، إذ إن باستطاعة هذا العائق أن يحرمك متعة المال والجاه والمنصب والقوة.
وينبغي قبل معرفتك لهذا العائق أن تعرف أنك وفي عمرك هذا الذي أنت فيه، قد تكون ممن لم يواجه هذا العائق بعد أو أنك قد واجهته، وكنت قويًا لدرجة أنك لم تشعر به أو أنك واجهت هذا العائق، وانصدمت به إلى الأبد أو أنك واجهته ولم تستسلم لإثارة التي قد لحقت بك وفي كل الأحوال أنت لا محالة واقع بهذا اليوم أو غدًا أو بعد الغد.
طيب ما هذا العائق؟! العائق هو أن يصنع الآخرين منك شخصية مهابة، شخصية محترمة شخصية ذات طابع الفخر والفخامة والقوة التي هي أكبر مما أنت عليه.
فعندما تجد الناس من حولك قد صنعوا منك شخصية أكبر منك عليك أن تعرف أنك في مأزق.
لماذا؟ لأنك عند ذلك ستظل تمجد ذلك المقام العظيم، وتتردد في قراراتك وتتوقف عن الإقدام على ما تريد مخافة الخطأ، مخافة أن يطلع الناس على خلاف ما اعتقدوا فيك، ويتسرَّب فيك جميع الأمراض النفسية من الفخر وحب الظهور والجاه والشهر، ثم إن أخطأت سيلحق بك الخجل، الحياء، الرياء، والانكماش، والوحدة..
وإن وجدت من تصدر لذلك المقام العظيم من غيرك فسيلحق بك الحقد والحسد والنفاق والنميمة، وربما العداء الصريح وغيرها.
كيف تعالج هذا الأمر؟ إن صنع الناس منك شخصية أكبر من قدرك فأثبت لهم في حينها أنك لست كذلك، وبكل ما تملك من قوة أخبرهم أنك شخص عادي مثلك مثل ذلك الإنسان المنبوذ فيما بينهم.
وإن لم تستطع لذلك، فتخلَ عن بعض أخلاقك المكتسبة لتقاوم الأمراض النفسية التي قد تغزوك دون أن نشعر.
تخلَ عن أناقتك ومظهرك الجميل والكلام المعسول، قاوم كل كلمة في حينها ولا تستسلم لما يريدون أن يوقعوك فيه من شبال الخجل.
احرص على أن تزرع بين الناس شخصية وهمية أقل من شخصيتك، وإن أردت أن تكبر في أعينهم فبحدود شخصيتك المعتادة لا تزد ولا تتقمص ولا تتطاول أكثر، بل قف عن حدودك كن أنت وكفى..
بيِّن لهم أنك لا تستطيع أن تخلق من نفسك شخصية مؤقته كما يريدون، وبنفس الوقت ينبغي عليهم أن يقبلوا بك كما أنت بأخطائك وجرمك وأخلاقك بكل ما فيك.. حتى لو كان السلوك ذلك متطلب رسمي في بقائك على ذلك المقام، حاول أن تتمسك بمقامك مع احتفاظك بشخصيتك الطبيعية.
حافظ على اعترافك بأخطائك لأنك بمجرد أن تتقبل عيوبك فلن يستطيع أحد ما أن يستخدمها ضدك أو يوقف بها إقدامك عن المضي قدمًا نحن المستقبل.
لا تنسَ أن من أراد أن يعيق أي شخص عن مستقبله سيصنع منه شخصية أكبر من قدره، لذا كان ولا بد عليك أن تعي خطورة هذا الأمر بالنسبة لك، وأن تصوب نظرتك وأفكارك وقراراتك كلها صوب المستقبل، ولا تنظر إلى الخلف مهما كانت نُقَط ضعفك.
حاول أن تستمر في ما يتعلق بخصوصيتك من سبل المعيشة وطريقة المشي وألوان الملبس بنفس الوتيرة التي كنت عليها قبل المقام العظيم المبجل لا تظهر كما يريدون.
لا تفقد أصدقاءك بسبب التحجيم الذي صنع لك، حاول أن تستمر علاقاتك الطيبة بالجميع كما كانت.
أظهر شخصيتك الجديدة لمن تعرَّف إليك مؤخرًا لتظهر ذا حزم واهتمام وجدية تتناسب مع مقامك.
اجعل من ذاتك محل قدوة حسنة لمن يرمقك بحب وثقة، وقبل ذلك أخبره أنك قد تخطأ، لكنك مهما كان ستحاول ألا تخطئ، تقبل بقانون الخطأ والصواب والاعتراف والاعتذار مع التمسك بالثوابت.
إياك أن تجعل مقامك الرفيع يؤثر على حياتك اليومية بين أسرتك ويعيق استقطابك للاحتياجات الضرورية بطرق سليمة، إذ لا يمنعك كونك القاضي فلان أو الشيخ فلان أو العالم الموقر أو الفندم، إلخ. من العمل والكسب والاعتماد على عرق جبينك، وإياك والركون على مقامك المبجل مهما كان دخلك منه.
تمتع بجهلك ما دمت جاهلاً في مسألة ما، ولا تجعل من جهلك بالشيء خطأ يعيقك عن مواصلتك على منصة الذوق الرفيع.
عند أعلى عقدة في هذا العائق كن جاهلاً واترك عقلك للمناسبات الكبيرة لأنه مهما كانت عقدة هذا العائق كبيرة كانت أكثر سخافة، فكن جاهلاً ولا تكن سخيفًا كما يريدون.
للطفولة جمال لا يعرفه إلا من فقده، كن طفلاً في تقبل ذاتك وإصلاحها والمطالبة بحقوقها، ولا تجعل العقل والمعرفة تحرمك روح الطفولة.
في الأخير عليك أن تعرف أني في الوقت الذي أنا أكتب لك هذه العبارات وأشد بها على يدك لا زلت في هذا العائق غارق، ولأن من سقط في بحره ليس كمن لا يزال على الشاطئ، ومن تعلم السباحة نجا، ومن سقط فجأة يبقى الأمر عليه أثقل.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.