خاطرة "السيدة التي حكمت مصر".. الجزء 2

فندق الإقامة (الواحدة بعد منتصف الليل..)

يجلس في منتصف غرفته وحيدًا أمام الشرفة المطلة على معبد الأقصر، يحيط به ضوء خافت منبعث من أحد المصابيح الموجودة بأركان الغرفة، وتحاوطه كثير من الكتب المليئة بالسير الذاتية المسجلة باسم حتشبسوت. أخذ ينظر دقائق معدودة إلى تلك الكتب الموضوعة أمامه والصمت والترقب يسيطران عليه، وكأنه ينتظر اللحظة المثالية ليخوض رحلته، أو قد ينتظر شيئًا ما بداخله يتحرك كي يأخذ المبادرة، لكنه ذهب في الأخير ليأخذ المبادرة. وجلس يفتح أحدها بتمعن ليقرأ عن تلك المرأة التي حكمت مصر بأحلامها، فيقرأ في صفحاته الأولى تلك المقولة التي سجلها أحدهم في مقدمة كتابه "اذكروني قبل أن يأتيَ اليوم الذي يقولون فيه إنني لم أكن، فإنهم يكذبون. اذكروني، فأنا حتشبسوت التي حكمت مصر بقلبها.. اذكروني كي أحيا إلى الأبد في بيت ملايين السنين.. ابنة رع، روح الحق، هي رع، ملك مصر العليا والسفلى، أنبل النساء، المتحدة مع آمون، أنا حتشبسوت". ثم أخذ يطوي صفحاته واحدة تلو الأخرى ليعرف من حتشبسوت؟! 

على غير المعتاد كان يحب دائمًا أن يدوِّن ملاحظاته في كتيب صغير لا يفارقه أبدًا عندما يرى شيئًا جديدًا أو ربما مختلفًا أو ربما لأسئلة تراوده بين الحين والآخر ليبحث عن إجابتها، ثم بدأ يكتب الملاحظة الأولى.. ويقول:

1- لماذا ذكرت حتشبسوت نفسها بهذه الألقاب على الرغم من أن هذه الألقاب لا يأخذها سوى الملوك الرجال؟!

2- هل كانت تعلم أن القدر سوف يمحو سيرتها إلى الأبد؟ أم أن الملوك المتتابعين قد اعتادوا منذ القدم على طمس هوية من سبقوهم؟ ثم عاد ليكتب ملاحظاته من جديد قبل أن يستمر في القراءة، ويقول ربما كان اعتلاء أنثى عرش مصر أمرًا يستدعي كل ذلك الجدل على الرغم من أنها لم تكن السيدة الأولى التي تولت عرش مصر، بل سبقتها مريت نيت وإياح حتب بالاشتراك مع ابنها كامس.

ثم يستكمل ملاحظاته ويقول ربما لأن العالم منذ قديم الأزل إلى الآن ما زال يأبى الاختلاف بكل أنواعه، وإن كانت توجد حالات لم نجد فيها كثيرًا من الجدل مثل هذه الحقبة كمدة حكم إياح حتب فربما كان ذلك بسبب انشغال السياسيين والكهنة باحتلال الهكسوس لمصر وقتها، فربما واجهت حتشبسوت ما لم تواجهه أحد من النساء الذين اعتلوا حكم مصر، أو ربما لأنها قد حكمت مصر بسياسة قاسية، ويبقى هذا الاحتمال محل نظر إلى أن نعرف من حتشبسوت.

ليس من المعلوم لنا حتى الآن لماذا اختار صاحبنا حتشبسوت لتكون مهد دراسته دون غيرها من سائر الملوك والملكات في مصر القديمة، ربما لأنه كان يهوى الاختلاف دائمًا، أو ربما لأنه كان يحمل سرًّا كبيرًا في باطنه لم يبح به بعد، ولكن على أية حال يستكمل صاحبنا رحلته ليطلعنا على السر الذي صار وراءه ويقول: منذ أن قرأت كتابي الأول عن حتشبسوت كنت أعلم جيدًا أنني سأقف حتمًا أمام شخصية غير عادية، شخصية تمتلئ بكثير من التفاصيل الإنسانية والملكية التي تستحق أن تدرس بعناية شديدة دون غيرها، وذلك منذ نشأتها إلى موتها، فكثير منا يعلم عن حتشبسوت، يعلم كيف اعتلت عرش مصر، وكيف أكدت أحقيتها للحكم بقصة الولادة الإلهية المنقوشة على جدران معبد الدير البحري، ولكن ربما ما لا يعرفه كثيرون عن حتشبسوت، هي أحلامها نفسها، أحلام حتشبسوت التي قادتها لحكم مصر التي جعلتها دائمًا مختلفة عن غيرها من الملوك، ومن المعروف لنا منذ أن درسنا التاريخ وقرأنا عنه أن الملك دائمًا هو الوسيط بين الشعب والإله، فكنا نعرف منذ البداية الوسائل الذي يعتلي بها ملوك مصر العرش بالتتابع، فإما أن يكون من دماء ملكية، وإما أن يكون زوجًا لإحدى نساء الدم الملكي الذي يجب أن يحكم مصر، وذلك إذا كان الملك نفسه غير ملكي أو من أم ثانوية كما يطلق عليها، ويسجل ذلك في قصة أسطورية يراها الشعب ويؤمن بها كي يجعلونه ملكًا مقدسًا لا يجب المساس به، فعلى الرغم من أن حتشبسوت كانت تعلم منذ البداية أن الشعب والكهنة قد لا يقبلونها ملكة لمصر كونها أنثى في النهاية مع أنها من دماء ملكية، ولكنها احترمت تلك التقاليد المعروفة، وهي أن تتزوج من تحتمس الثاني ليصبح ملكًا شرعيًّا غير مشكوك في حكمه، وبهذا تعتلي حتشبسوت عرش مصر باسم تحتمس الثاني، وعلى الرغم من أنها كانت تعلم أنها ستنفرد بالحكم ذات يوم، ذلك لأن تحتمس الثالث ملك من أم ثانوية وكان أيضًا لا يزال صغيرًا، لكنها كانت تعلم أيضًا أن بحكمها منفردة لمصر سوف تندثر أحلامها ذات يوم بتعاقب الزمن والملوك الذين لا يقبلون بحكم امرأة، ولكنها قامت بما يدل على أحلامها كعادة ملوك مصر العظام، وتركت لنا أعظم مباني الحضارة المصرية وهي جسر جسرو أي أقدس المقدسات المعروفة حاليًا بالدير البحري.. ولكن ما جعلني أتوقف كثيرًا حول هذه الملكة هو السر الذي كانت تحمله دومًا. فيعتقد كثيرون أن سر هذه الملكة كان في أحلامها لاعتلاء العرش، ولكن ربما ما لا يعرفه كثيرون عن حتشبسوت هو أن سر هذه الملكة دومًا كان يكمن دائمًا في أفكارها.

وما يميز أفكار المرء دائمًا هو طريقة التعبير عنها، فيوجد ملوك تعبر عن أفكارها بالحروب التي تخوضها كتحتمس الثالث وهو خير مثال، ويوجد من يعبر عن أفكاره بالفن كرمسيس الثاني، ويوجد من يعبر عن أفكاره بالطرز المعمارية كأمنحتب الثالث، ولكن تبقى حتشبسوت مختلفة دائمًا بأفكارها عن غيرها من الملوك الذين سبقوها والذين يلونها أيضًا، فهي حكمت بأفكار امرأة يملؤها الإبداع، ولكن عندما أتأمل سيرة هذه الملكة جيدًا وأرى تفاصيل نشأتها بدقة أجد أن اختلافها الحقيقي ليس فقط في أفكارها ولا في أحلامها التي قادت بها مصر سنوات عدة لنشاهد نحن حفدة المصريين القدماء التميز المعماري والاقتصادي الذي عاشته مصر في تلك المدة وما زال باقيًا إلى الآن، ولكن اختلافها الحقيقي يبقى في النهاية كونها أنثى مصرية حملت أفكارًا أضاءت بها العالم القديم، وهذا هو السر الذي لم يلاحظه أحد، فقد تكون ذكرت نفسها كونها ملكًا وصورت نفسها أيضًا كونها ملكًا، وهي حقيقة تاريخية لا نغفل عنها أبدًا، ولكن تبقى حقيقتها التي يجب ألا ننساها أبدًا أو نتغاضى عنها يومًا من الأيام وهي أنها في النهاية سيدة مصرية محبة لأرضها وشعبها أرادت أن تزيد مصر جمالًا على جمالها، فظلمها الملوك طبقًا لاختلافها، ولكن يبقى التاريخ دائمًا منصفًا لمن أراد أن يحيا بأحلامه على هذه الأرض، فيذكر حتشبسوت كما أرادت، وليعلم العالم أيضًا أنه كان هناك امرأة مصرية تحكم مصر بقلبها في يوم من الأيام، لنتعلم نحن أن في التاريخ دائمًا حياة تدونها أطراف أقلامنا كما نشاء.. حياة يمكن أن تحيا إلى الأبد.. كما أحيت حتشبسوت إلى الأبد.. لتبقى أميز النساء.

والآن وبعد أن انتهى صاحبنا من رحلته مع حتشبسوت، وبعد أن رأى مصر القديمة بعيون المرأة التي حكمت مصر بأحلامها يقول في نهاية مذكراته "إنها هي المرة الأولى التي أخوض فيها رحلتي بصدق مع أحد ملوك وملكات مصر القديمة، وكأنني لم أدرس الآثار المصرية من قبل أو أتعرف عليها مسبقًا، إنها هي المرة الأولى التي تجتمع فيها أحلامي بأحلام القدماء، كأنني كنت أعيش في هذا الزمن، كأنني كنت أحيا في هذا العصر، فأجد نفسي لم أختلف كثيرًا عن حتشبسوت وعن غيرها من ملوك مصر القديمة، فكلاهما على نحو أو آخر كان يسعى وراء شيء يستحق أن نفني جميعنا أعمارنا من أجله، كلاهما كان يؤمن بالفكرة، وأنا كذلك، كلاهما كان يريد السيرة وأنا أيضًا كذلك، كلاهما كان يحلم بالخلود، وأنا أيضًا كذلك، ربما أستطيع أن أقول الآن إن القدر قد وضعني في طريقي الصحيح كي أحيا إلى الأبد، ربما عرفت الآن من أنا.. أما أنت فعليك أن تبحث جيدًا عن ذاتك كي تعرف أيضًا من أنا، فربما أنت تكتب عني الآن بلسان شخص آخر ونحن في الحقيقة شخص واحد، شخص لم يختلف كثيرًا عن الذي قرأنا عنهم في أمهات الكتب، فلمَ لا نكون أفكار حتشبسوت الخالدة، أو ربما رمسيس الثاني الذي سجله التاريخ كونه أحد أعظم ملوك مصر الحديثة، أو تحتمس الثالث الذي عرفه التاريخ بأنه أول إمبراطور مصري لم يهزم أبدًا، لمَ لا إن لم نكن نؤمن منذ البداية مثلهم بما يصنعونه، لم لا نصنع حضارة عصرنا الحالي، ليكون هناك شخص آخر في عالم بعيد من المستقبل يكتب عنا أو يقرأ عن سيرتنا كما فعلناها معًا مع حتشبسوت، فالتاريخ دومًا يعيد نفسه يا عزيزي كما تعلم، ولكن ربما رحلتنا لم تنتهِ بعد ولكن في النهاية لا يسعني سوى أن أقول شكرًا لك، شكرًا لك من أعماق قلبي أنك سمحت لي أن أتعرف على نفسي من جديد، شكرًا أنك أعدتني للحياة مجددًا، شكرًا لك أنك لم تستسلم أبدًا.. شكرًا أنك ما زلت تؤمن بي على الرغْم من كل شيء.. شكرًا أنك تصدقني دائمًا

إلى حتشبسوت ملك مصر العليا والسفلى

إلى السيدة التي وهبت النور لأرضها لتحيا

إلى حتشبسوت الأم والمرأة والابنة والحبيبة

ستبقين ذكرى خالدة..

ستبقين أملًا للفكرة التي لا تموت

ستبقين حتشبسوت.. أنبل النساء

اقرأ أيضاً خاطرة "السيدة التي حكمت مصر".. خاطرة اجتماعية

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة