خاطرة "الزواج المبكر".. خواطر اجتماعية

في يوم ما كان عندي أحلام كثيرة، بدأتُ العمل بجد على نفسي، وشاءت الصدف أن أعمل في منظمة أجنبية بحثية في أحد المجتمعات الريفية عن موضوع الزواج المبكر.

لا أستطيع أن أصف فرحتي عندما اتصلوا بي!

-لقد تحدَّد معاينتك في يوم كذا عند المكان كذا..

لملمتُ شتات نفسي وتهيَّأت بكل حماس وكأني حصلت عليها، انشغلت طيلة ذلك الأسبوع بدورات تدريبية وتعليمية لطريقة العمل إلا أن حماسي فاق إرهاقي..

وقع اختيارنا على أحد المجتمعات البسيطة غير المتعلمة، قطعنا ساعات طويلة لإجراء بعض الاستبيانات عن أسباب الزواج المبكر، والتوقف عن تلقي التعليم في مرحلة مبكرة من عمر تسع سنوات أو أقل.

في طريقنا صادفنا الكثير من النساء اللاتي يقطعن مسافات بعيدة سيرًا على الأقدام من أجل جلب المياه وحملها على رؤوسهن في أوانٍ..

والعودة مرة أخرى للعمل في الحقول أو لإطعام الماشية أو الدجاج أو الأغنام، ثم الذهاب بعد ذلك للطبخ وإطعام أفراد الأسرة والزوار الذين لا ينفكون من الحضور.

للنساء في تلك المجتمعات أعمال كثيرة مرهقة، لا توجد لهن مساحة خاصة للاعتناء بأنفسهن، وجوههن تعلوها التجاعيد، مرهقات من نظرات أعينهن، ذوات بشرة جافة اليدين والأقدام..

بالرغم من صغر أعمارهن فقد تشعر بأن لا حياة سعيدة يعشنها وأن أبسط حقوقهن قد سُلبت..

في إحدى المرات ذهبنا إلى منزل أسرة بسيطة معظم ولاداتهم فتيات، أصغرهن ذات أربعة عشر عامًا، كانت متزوجة ولديها ثلاثة أطفال..

قالوا لنا لا مجال لعمل مقابلة معها؛ فقد أصيبت بنزيف في أثناء عملية التوليد من قبل قابلة القرية، وعندما لم تتمكن من توليدها نُقِلَت للمشفى في حالةٍ حرجة.

بعد ثلاثة أيام عدنا وجدناها قد ماتت هي وصغيرها المولود.

تلك كانت واحدة من كثيرات مصيرهن الموت.

التقيت واحدة من الفتيات تحمل صغيرها الهزيل الجسد، قالت لي إنه يبلغ عامًا ونصف، كانت ضعيفة الحجم، قصيرة القامة، صغيرة العمر..

بدأت تحكي لي كيف تم تزويجها بعد رفضها ابن عمها وإخراجها من المدرسة، وكيف أنها كانت تصرخ وتتمردغ بالأرض حتى يتغاضى والدها وأعمامها عن تلك الزيجة..

كانت تحكي لي عن حبها للدراسة وحلمها بأن تذهب إلى الجامعة وتصبح طبيبة إلا أن ذلك الحلم تبدد لينتهي بها الأمر لما هي عليه.

النساء هناك جميلات لكنهن محرومات من أشياء كثيرة أبسطها حرية التعبير عن ماذا يردن، عن تحقيق رغباتهم، عن كبح أحلامهم، عن الرفق بهم، عن توفير بيئة تساعدهم.

في آخر مقابلة لي قالت لي إحدى الأمهات إننا أحببناك ونريد أن نزوجك إلى أحد أبنائنا، سوف نجمعهم لكِ وأنتِ اختاري من سيعجبك، حينها ضحكت كثيرًا بهذا العرض الملكي إلا أنني رفضت بكل حب...

وبداخلي لا أستطيع أن أكون جزءًا من مجتمعكم..

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

في نظري الزواج المبكر أقصى عقوبة للفتيات في مجتمعات غير مُبالية بأمرهن. إلى المزيد من التوفيق. أدعوكي إن أحببتي أن تقرأي مقالاتي.
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

شكرا على تعقيبكِ الجميل.
وعلى الدعوة بالتأكيد سأقرأ لكِ
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة