خاطرة "الزلزال في ذاكرتي".. خواطر وجدانية

كانت ليلةً عاديةً كمئاتِ الليالي الشتوية التي تمر علينا، ولكنها أعنفُ ليلةٍ عشتها، امتدَ بنا السهرُ في تلك الليلةِ لما بعد الثانيةِ صباحًا، كنت وزوجي كما العادة نتسامرُ بعد خلودِ الأطفال والكبار للنوم نتضاحك ونتناقش في ما لا يجب ذكره أمام الأولاد.

أذكرُ تمامًا تلك الليلة - لا أعادها الله علينا ولا أذاقَ أهوالها لأحد غيرنا - جالسين حول المدفئة في ليلةٍ باردةٍ ماطرةٍ نفكر في مستقبل الأولاد وواجباتنا تجاههم ونحلم بمستقبلٍ مشرقٍ لنا قبل أطفالنا. 

أذكرُ أني خلدت للنوم قرابة الثانية والنصف ورضيعي بجانبي، وآخر جملةٍ أذكر أني نطقتها لزوجي بلهجةٍ ناعسةٍ (عزيزي، حاول أن تنام كي تستيقظ لصلاة الفجر). 

ثم أيقظتني رحمة الله بنا على الكارثة المقبلة، شعرتُ بصغيري يطالب بوجبتهَ الليلية، صحوتُ قليلًا وألقمتهُ طعامهُ ثم غفوتُ للحظةٍ ولم أشعر بنفسي إلا وأنا أفتحُ عيناي على ضجةٍ كبيرة وأصوات لم أستطع تمييزها بدايةً، ولم تكن سوى أغراض المنزل تتساقط.. وخزانتي التي أنامُ بقربها تكادُ تسقط علينا . 

في غضونِ ثانيةٍ ضممتُ صغيري لصدري وأنا أصرخ بزوجي ليستفيق _ أسرع، استيقظ، لا أدري ما يحصل ربما قصف وربما زلزال هيا بسرعة _ كنت أتكلمُ بسرعةٍ وقد أصبحتُ على قدميَّ.. ذهبتْ سُلطةُ النومِ والبرد لم أشعر حينها إلا بوجوب إخراج الجميع من المنزل.

للوهلة الأولى لم نكن نعرف ما يجري فقط أثاث البيت يتحرك ونحن نسير في ممر المنزل والمنزل يتمايل بنا يمينًا ويسارًا، كان واضحًا أنهُ زلزال، لكن عنصر المفاجأة والخوف والفزع لم يدع لنا مجالًا لنفكر بماهيةِ ما يحدث، الأولويةُ كانت للنجاة بأرواحنا. 

الساعة الرابعة فجرًا، انقطع التيار الكهربائي والمطرُ يتساقط بغزارة، خرج زوجي مسرعًا من الغرفة وما زالت آثار النوم عالقة به يسألني إلى أين، قلت للأسفل بسرعة لا تبقوا في المنزل، أسرع بالخروج فذكرته بالأطفال ريثما أرتدي ثيابي، دخلنا غرفة الأطفال كان ولدي الأكبر وجدّته مستيقظين ويحاولان إيقاظ إخوته وسحبهم لزاوية الغرفة، صرخت بهم من غرفتي لا لا ليس الزاوية بل إلى خارج المنزل بسرعة. 

وتم الأمر نزل الصغار والكبار معًا ولله الحمد للأسفل وبقيت أنا في مدخل البيت أتمم ارتداء ملابسي، زوجي على درج البناية يصرخ هيا أسرعي وأنا في ظلامٍ دامسٍ أحاولُ سترَ نفسي جيدًا قبل النزول، كنت ظاهريًا قوية ومضحية فقد أرشدتهم جميعًا لطريق الخروج، فالجميع كان في حالة غياب عن الوعي حتى الكبار منّا، لكني ولله الحمد كنت في حالة صحو وقد أدركتُ أن كارثة تلمّ بنا، لكن في داخلي كنت أرتعد خوفًا أن يسقط عليَّ سقف المنزل قبل أن أخرج

أسرعتُ راكضةً على الدرج حتى وصلت للأسفل، وقفنا جميعًا تحت المطر بملابس شتوية منزلية لا تقي كثيرًا من البرد، فلا وقت لدينا لارتداء معاطفنا ولا أحذيتنا، جميعنا كنا حفاة ومياه المطر يتساقط من ثيابنا. 

انتهى الزلزال الأول بعد دقيقة وأكثر بقليل على وجه التقريب، انتظرنا قليلًا ثم صعدنا للمنزل ولم نكد نصل للمدخل حتى بدأ الزلزال الثاني، كان قويًّا ، مرعبًا ومدمرًا أكثر من سابقه.

عدنا نتراكض على الدرج، وهذه المرة كان يميل المنزل بنا وكأنه ساقط لا محالة، صوت ضجيج الأثاث وما يتساقط من الزجاج يصم الآذان، وأعتقد أني سمعت صوت هدير الأرض أيضًا.. وكأنما موكب من الشاحنات يسير تحتنا، ثم انتهى والحمد لله، لكن رعبنا لم ينتهِ بل بدأ حينها.

رأينا البنايات المتساقطة، ورأينا جيراننا والجميع في القرية يسارع بالخروج لأي مكان المهم خارج المنازل. لم نرجع إلى المنزل إلى بعد أذان الفجر بكثير.. صلينا فرضنا وبقينا بملابسنا ننتظر وفي كل هزة ارتدادية نسارع إلى الهروب ثم نعود أدراجنا للمنازل.. واستمرت معاناتنا لشهر من الزمان ما بين الهزات الارتدادية وإصلاح المنازل المتضررة، ناهيك عن الموتى فهذا ضررٌ لا يمكن إصلاحه. الآن ومع زلزال المغرب عادت كل هذه الذكريات إلى رأسي وكأنها البارحة. 

أدعو الله بالرحمة والغفران للشهداء والصبر والسلوان للأحياء.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

سبتمبر 14, 2023, 1:01 م

تأثرت بكلماتك كثيرا مؤسف جدا لكنه كله فضاء الله و قدره ربي يسترنا و يرحم جميع ضحايا الزلزال و يشفي المصابين. ..انت من اي بلد يا ترى ؟ الرجاء قراءة مقالاتي وتعطيني رايك فيها و شكرا مسبقا ☺️💟🌼

أضف ردا
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

مقالات ذات صلة
سبتمبر 24, 2023, 6:21 م - ريم بدر الدين بزال
سبتمبر 24, 2023, 1:56 م - أنس بنشواف
سبتمبر 24, 2023, 12:21 م - مريم محمد إسماعيل
سبتمبر 23, 2023, 5:58 م - بوعمرة نوال
سبتمبر 23, 2023, 1:58 م - محمد أحمد سعيد غالب الشيباني
سبتمبر 23, 2023, 1:28 م - علاء الدين حاتم
سبتمبر 23, 2023, 11:04 ص - ميساء محمد ديب وهبة
سبتمبر 22, 2023, 11:14 ص - ميساء محمد ديب وهبة
سبتمبر 21, 2023, 2:11 م - محمد بخات
سبتمبر 21, 2023, 5:20 ص - بوعمرة نوال
سبتمبر 20, 2023, 6:05 م - صفا علي الشرقاوي
سبتمبر 20, 2023, 12:56 م - مجانة يمينة
سبتمبر 20, 2023, 5:34 ص - أسماء محمد حمودة
سبتمبر 19, 2023, 6:09 م - ياسر عمر مصباحي
سبتمبر 19, 2023, 1:12 م - بومالة مليسا
سبتمبر 19, 2023, 8:07 ص - أنس مروان المسلماني
سبتمبر 19, 2023, 7:30 ص - أنس مروان المسلماني
سبتمبر 19, 2023, 7:11 ص - عزالعرب سلمان
سبتمبر 19, 2023, 6:14 ص - بومالة مليسا
سبتمبر 18, 2023, 5:28 م - أمين عبدالقادر لطف أحمد
سبتمبر 18, 2023, 4:16 م - عمرو سيف
سبتمبر 18, 2023, 7:47 ص - سادين عمار يوسف
سبتمبر 17, 2023, 9:13 ص - مها عبدالمنعم عوض
سبتمبر 17, 2023, 8:14 ص - بلال الذنيبات
سبتمبر 16, 2023, 4:04 م - عبد الله عبد المجيد طيفور
سبتمبر 16, 2023, 12:14 م - احمد عزت عبد الحميد محيى الدين
سبتمبر 16, 2023, 6:56 ص - رهف ابراهيم ياسين
سبتمبر 14, 2023, 7:27 م - محمود إبراهيم حفنى
سبتمبر 14, 2023, 7:03 م - زكريا عبده عمر عبده
سبتمبر 14, 2023, 11:14 ص - بومالة مليسا
سبتمبر 14, 2023, 8:53 ص - ليلى أحمد حسن مقبول
سبتمبر 13, 2023, 6:16 م - بوعمرة نوال
سبتمبر 12, 2023, 9:10 م - مايا عز العرب عزالدين
سبتمبر 12, 2023, 8:36 ص - بومالة مليسا
سبتمبر 12, 2023, 7:28 ص - شروق محمد العمري
سبتمبر 11, 2023, 6:11 م - بوعمرة نوال
سبتمبر 11, 2023, 5:48 م - أ . عبد الشافي أحمد عبد الرحمن عبد الرحيم
سبتمبر 11, 2023, 11:19 ص - صفاء السماء
سبتمبر 11, 2023, 11:00 ص - البراء القاضي
سبتمبر 11, 2023, 9:35 ص - هاني ميلاد مامي
سبتمبر 11, 2023, 6:13 ص - ايمان مسعد الحربي
سبتمبر 10, 2023, 6:27 م - مصطفى ضياء
سبتمبر 10, 2023, 4:24 م - جود معاذ الرفاعي
سبتمبر 10, 2023, 2:12 م - محمد محمد الملاحي
سبتمبر 10, 2023, 1:36 م - أنس مروان المسلماني
سبتمبر 10, 2023, 11:47 ص - بوسلامة دعاء خولة
سبتمبر 10, 2023, 11:09 ص - رمضان سعيد احمد حامد
سبتمبر 10, 2023, 10:33 ص - منه عبدالله
سبتمبر 10, 2023, 7:06 ص - ياسر حسين
سبتمبر 9, 2023, 6:57 م - جوَّك لايف ستايل
سبتمبر 9, 2023, 12:52 م - جوَّك لايف ستايل
سبتمبر 8, 2023, 12:08 م - محمد محمد الملاحي
سبتمبر 7, 2023, 1:56 م - محمد محمد الملاحي
سبتمبر 7, 2023, 12:06 م - عهد عهد العهد
نبذة عن الكاتب