كانت الساعة الرابعة فجرًا.
فتحت عيني وأنا أحدّق في سقف الغرفة،
ذلك السقف الذي يحاصرني بالصمت،
وتغمرني برودته من كل الجهات.
الغرفة التي فيها حاسوب يلمع كأنه بوابة لعالم آخر،
لكنه يعيش معي في مكان لا يملك سوى حصير مهترئ،
تآكل من الزمن كأنه شيخ هرم بلغ عامه الأخير.
ما زال يحتفظ ببقايا دفء قديم،
وقصص لم تكتمل،
وأسرار علقت بين جدرانه.
يا رب،
امنحني القدرة على قول الحقيقة،
على مواجهة الأيام،
على تحمل الخواء والجوع والوحدة،
وألّا أصدّ متسولًا، ولا أرفع صوتي في وجه ضعيف،
وألّا أفقد آخر ما تبقى لي من أمل.
يد واحدة لا تصنع ضجيجًا،
لكنكم لم تتركوا إلا التصفيق…
ألم تتعبوا من التصفيق بعد؟
أسناني مثل حجارة الطاحونة،
ألتحف حلمي كأنه غطاء،
وأغفو على جوع يشبه صلاة طويلة.
دموعي بعدد خيباتي،
وخيباتي بعدد وعودي،
وشجاعتي بعدد معاركي،
وترددي بعدد فصولي،
وساعات نومي بعدد الأرق الذي يطاردني،
والأرق بعدد الوسائد التي تقلّبت عليها.
يبدأ صباحي بعد وقت طويل من النظر إلى السقف،
يكفي لأشعل حربًا في رأسي بين أفكار لم تهدأ ليلة كاملة.
أغسل وجهي، وأتوضأ للصلاة،
ثم أبحث عن شيء أشربه،
أنا الذي لم أتعلّق يومًا بطعم القهوة،
ربما لأنني أكره كل ما يترك مذاقًا مرًّا في فمي.
أتذكر فجأة…
لا يوجد ما أشربه،
ولا ما أشتري به.
فالمبلغ الوحيد في جيبي دين عليّ رده اليوم،
ولا أريد أن أبدأ نهاري بكذبة صغيرة.
أشعل المدفأة، وأحمد حظي أن الكهرباء لم تنقطع.
أنهض إلى الحاسوب،
ذلك الصندوق المضيء الذي رافقني منذ كان عمري إحدى وعشرين سنة.
وما إن تضيء الشاشة،
حتى تبدأ رحلتي مع رأسي من جديد.
موسيقى العالم كلها لا تكفي لإيقاف هذا الضجيج الداخلي:
أفكر بالماضي،
أفكر بالحاضر،
أفكر بالغد،
أفكر بالرحيل،
أفكر بالعودة،
أفكر بمن رحلوا،
أفكر بمن بقوا،
أفكر بالعمل،
أفكر بالحروف التي أكتبها،
أفكر بالشاشة أمامي،
وأفكر…
بأنني أفكر كثيرًا.
أنت رائع في ترجمة خواطرك إلى واقع يتحسسه القاريء ولكن لا يراه في الواقع
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.