إليَّ، إلى العزيزة في داخلي، سأكتبُ إليك سطورًا لستُ أألفها، ولكني سأكتب. سأخطُّ بيديَّ حكايات وقصص، عنها سأروي وأخُطّ، همس الأمنيات يتخلل في حناياي، تسلبني الذكرى إلى حيث لقاءنا الأخير، ما زلت أذكر ضحكاتكَ، همساتكَ، كل شيء يخصكَ: الرائحة، ملابسكَ، أسلوبكَ وأسلوب مشيتكَ، كل شيء حتى شكل ضحكتكَ.
صدقني حاولت إخراجكَ بيد أنكَ قد رفضت، ما زلتُ حتى أذكر تفاصيل اللقاء الأول بيننا، يوم أن رأيتكَ فجأة ودونما أن أدري، وإنما شعرتُ بطيفك يتغلغل في دهاليزي، ليحط بقلبي، ويجتذبني ناحيكَ، وأراك واقفًا على بعد مني، وتبتسم لي، لم أدرِ من أنت، وكل ما أردته هو الهروب من تلكم النقطة.
ويوم تلو يوم توالت لقاءتنا، حتى آخر لقاء، كمثله في أي يوم، تبزغ شمس يوم جديد؛ أعانق الأمل، أصارع الحياة علَّني أحيا بقلبٍ سعيد، ها قد حلَّ الصباح بنسمةٍ لطيفة تتسلل من بين قطرات المطر.
لم أعلم أن خريفَ هذا العام مختلف تمامًا عن الذي قبله، بالأمس كانت السماء صافيةً وإحدى النجمات الدخيلات تغازل القمر مما أدى إلى نشوب خلاف بينه وبين نجمته المفضلة، كنت أحسبها غيرة أنجم، ولكن نجمة القمر قد هربت واختفت، أظنها وجدت عدة غيمات مجتمعات بعيد عنَّا، وحكت لهن ما فعلته أختها مع بدرها.
عند الصباح اليوم تفاجأنا ببركة مياه أمام مدخل البيت، هل هي دموع النجمة أم غضب الغيمات؟
الخريف والحزن ما الذي يربطهما؟
عندما يرتبط اثنان برباط الحب لوهلة ستدرك أن ما بينهما متين ومعتصم ولن يرتخي، ولكن ما إن يرتخي حقًا أو ينقطع فجأة بفعل أحد غريبًا عنهما أو واحد منهما، وقتئذ يهل الحزن في القلبِ راقصًا على أغنيته، فيفطر ما وراء الصدر ويجعله ينكسر رغم التشققات التي أحدقت به، وقتها فقط تجتمع السحابات لتكتنفه وتضمه؛ فيهطل الوابل، لا أظن أنه يوجد رابط بينهما أقوى من ذلك، فهذا الفصل متصل فقط بالمضض. من جهةٍ أخرى أحسب أن السماء تحزن لرحيل الطيبين عن دنيانا فتواسي ذاتها بالبكاء فلا أحد يستطيع عناقها إلا الطير رغم صغرها.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.