خاطرة "الحياة في البادية".. خاطرة وجدانية

الحياة في البادية متعة لا توصف، وجمال لا يضاهيه أي جمال آخر، وذكريات تبقى خالدة في ذهن الإنسان لا تُنسى، وما أحكيه هنا ليس من وحي الخيال، وإنّما هي ذكريات عشتها فرسخت في ذهني كأنّما كتبت في حجر، ولذلك أقول: إني وإن نسيت فلن أنسى أبداً ذلك الجو الرّائع الهادئ في البادية، الَّذي يجلب الرّاحة والسّعادة والطُّمأنينة.

ولأن نسيت فلن أنسى أصوت وتغريدات الطّيور في الصباح، المتنوعة الزغاريد والأنغام، حتَّى ليخيل إليك أنك في مهرجان موسيقي صاخب، لكن هذه الأصوات العذبة تزيد من نشاطك وقوّة ذهنك، وتجعلك نشطًا متقد الذهن وسيالًا للأفكار، ولأن نسيت فلن أنسى ليالي البادية، المتّسمة بالظّلام الدامس، الَّذي يجعل الإنسان يخاف ويخشى من عويل الذئاب والكلاب وعلو صيحاتها، التي في غالب الأحيان.

تبدو قريبة منك وأنت جالس تراقب نجوم السّماء الصافية الزرقاء المزينة بالكواكب، وبين الفينة والأخرى ترى الشهب التي يقذف بها نحو الأرض هنا وهناك تتهاوى نحو الأرض، فيخيّل إليك أنها أوشكت أن تصيبك أو تسقط عليك، ثمّ ترفع عينيك لتنظر في السماء.

فترى القمر الزاهي في أبهى حلته ليلة البدر وتراه محاطًا بعدّة نجوم وكواكب، وكأنهم يحرسونه أو كأنهم متأهبون، لشيء ما ومن حين لآخر ترى كومة من السّحب تمرّ من تحت القمر فتخفي ضوءه كأنه استحى أو لبس النقاب، عندما يتوارى من وراء السّحاب.

وأحيانًا ترى ضوءه قد تآكل وتوارى وصغر حجمه حتَّى عاد مثل العرجون القديم، وإن نسيت فلا ولن أنسى لحظة انبلاج الفجر وضجيج صراخ الديكة هنا وهناك، وكأنهم يجيبون بعضهم بعضًا في حفل بهيج إيذانًا منهم بمقدم يوم جديد، إن هذه اللّحظة أعتبرها من أجمل اللّحظات التي يعيشها المرء في القرى والبادية، لحظات يكون الهواء فيها ملبدا نقيًا نظيفًا عندما تستنشقه يخيل إليك أنك قد ولدت من جديد، خاصّة إذا كان الفصل فصل الربيع، ونسيم الصبا ممزوجًا بأريج وعطر الورود الفواحة هنا وهناك.

وإن نسيت فلا ولن أنسى لحظة شروق الشّمس، وبزوغها لقطع مسافة يوم جديد، نورها يبدو لأول وهلة خافتًا على رؤوس الجبال الشّامخة، وكأنه يداعب أشجارها وأحجارها، أو يداعب ما حوته من ثلج وجليد، ثمّ يكبر شيئًا فشيئًا إلى أن يستحوذ على الآفاق.

وبزوغ الشّمس تبدو كعروس في خذرها تستحي ممن ينظر إليها في حُلَّتها التي عليها، وما من حتَّى ترمي بجلباب حيائها وتهاجم جميع من يحيط بها، فلا تبقى حجرًا ولا مدرًا ولا مرتفعًا ولا منخفضًا إلا ولفحته بأشعتها الدافئة المتوهجة، وما من شيء تمرّ فوقه إلا وتلسعه بأشعتها وتترك أثرها فيه، فيا لها من مباركة تحلّ كل يوم ضيفة على الإنسان، فترحل وهو غير مَالٍ منها.

وتأتي وهو يرحب بها، بل وينتظر مجيئها بفارغ الصبر كل صباح، وإن نسيت فلا أنسى لحظة المساء الَّذي تكثر فيه الحركة في البادية بشكل حثيث من أطراف شتّى، فمن يعمل في الفلاحة يعود لكوخه، ومن يرعى يعود بماسيّته إلى حظيرتها، ومن يصطاد يعود بالصيد معلقًا بحافتي جانبه إلى أفراخه.

والشّمس تبدأ في الاصفرار شيئًا فشيئًا إلى أن تغرب، وكأن النهار ما كان، ثمّ يأتي الوقب والغسق تباعًا فتحلّ الطمأنينة والهدوء حتَّى لكأنك لوحدك في هذا الكون كله، فلا تسمع إلا نقيق الضفادع يبقبق في الأودية والمروج في صمت رهيب، وبين الفينة والأخرى تمرّ فوق رأسك الطّيور الجوالة باللّيل كالبومة والهامة والوطواط والخفاش. 

وإن نسيت فلا أنسى ذلك اليوم الممطر الشديد المطر بالبادية، ففي الصباح يبدو الجو وجهه وجمًا عبوسًا مكفهرًا. 

السّماء لا تبدي وجهها بل هي لبست خماراً من السحب السوداء، وصارت تستحيي أن تكشف عن وجهها، إلا إذا ألقت ما بأحشائها من مياه عذبة نقية طاهرة، فيبدأ مطر الخير بالنزول نقطة تلو الأخرى، فتجري الأنهار، وتمتلئ الآبار والعيون والسدود.

فترى البشر والسرور يعلو وجه كل قروي عتيد، وعندما تكون في بيتك القرويّ البسيط، والَّذي غالبًا ما يكون مبنيًا من طين وجريد، والأمطار تتساقط وأنت تسمع حسيسها فلا شيء ألذ إلى السمع من تلكم الحسيس، ثمّ لما تخرج من بيتك تجد الأوحال تلتصق بحذائك تعيق مشيتك، والبرد يلسع أنامل رجليك، وعندما تمرّ تحت الأشجار، تلقي عليك ما سقط عليها من ماء المطر، فتبل ثيابك وجسدك، كل هذا يحدث في مشهد جميل، لا شيء أروع وأجمل منه. 

وعندما تلقي جولة في البادية في هذه الآونة ستجد النّاس منهم من هو متلفع بأكياس بلاستيكيّة تقيه من الأمطار، ومنهم من يحمل في يديه مظلة يتوكأ عليها ومنهم من يمشي حافي القدمين يسبح بهما في الوحل، ولذة المشي في الوحل حافي القدمين قلّ نظيرها، ولا يعرف قيمتها إلا من ذاقها.      

فهذه اللّحظات الجميلة لا يعيشها المرء إلا في القرى والبادية، أما في المدينة فقد لا يلاحظها ولا يلتفت إليها، لكثرت البنايات وارتفاعها ولكثرة الضوضاء وضجيج السيارات وأزيز محركاتها.

لذلك فتق لسان الإبداع لحكاية ووصف ما هي عليه الأجواء في البداية، والنظر فيما يعتري هذا الكون من الظواهر الطبيعيّة الساحرة الآخذة بلبّ الإنسان وفكره، فالمدينة مفعمة بالنّاس وهناك الغادي والرّايح، لكن البادية أو القرية بعكس ذلك تمامًا، فإذا ما أردت الرّاحة والطمأنينة وراحة البال فعليك بالبادية، فهناك تجد راحتك وبغيتك.

اختر مكانًا فسيحًا وسط أشجار متنوعة كثيرة، ثمّ أقم مسكنًا هناك، للرّاحة والاستجمام، فكلّما ضاقت بك المدينة بما رحبت ببرجها ومرجها، لجئت إليه فستجد بغيتك وراحتك.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة