استضافني جار لي ثري، فشاهدت في قصره عصفورين -ذكرًا وأنثى- جميلين، في قفص دري مرصع بألوان آية في الحسن والبهاء، وأمام العصفورين الطعام والشراب، ولكنهما لا يلتفتان إليهما، فالحزن بادٍ عليهما.
راعني المنظر وأذهلني، حتى تمنيت أن أكون عصفورًا يعيش في هذا القصر المنيف، ويسكن هذا القفص المتلألئ وينعم بهذا العيش الرغيد
غير أني حرت في أمرهما، وعجبت من شأنهما، وتأثرت لحالهما، وجعلت أفكر في ما ينغص عليهما عيشهما، ويكدر عليهما صفاءه، وقد تجمعت لديهما أسباب السعادة، فالطعام موفور، والشراب ميسور، ولا سيما أنهما ذكر وأنثى، وكلاهما يألف الآخر ويأنس به ويركن إليه.
فلما أمعنت في النظر، ألفيت باب القفص موصدًا، والعصفوران محبوسان لا يستطيعان الخروج ولا الطيران، فعلمت سر الهم، وفهمت سبب الغم، وأدركت أن العصفورين يفضلان عشًّا يسيرًا من القش والعصف في شجرة عتيقة، على قفص من قصب في قصر مشيد، وأيقنت أن الطائرين يعلمان قدر الحرية، ويؤثران الحرية مع الفقر على الحبس مع الغنى.
تلكم هي الحرية التي يبيع الطائران الدنيا من أجل الحصول عليها، وهبت لنا فلم نشترها، ولم نجتهد في نيلها، بل شريناها بثمن بخس، وأسأنا استغلالها، واعتدينا باسمها على حريات الآخرين.
وقد فطنت المرأة العربية إلى قيمة الحرية وقدرها، فنطقت بكلمات خلَّدها التاريخ، وقالت: (تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها).. لقد أدركت هذه المرأة بفطرتها أن الحرية مسؤولية، وأنه لا يجوز لها أن تفعل ما تشاء حتى لو كان فعله ثمنًا لحياتها.
حقًّا إن الحرية نعمة من النعم المنسية، وهي تاج على رؤوس الأحرار ووسام على صدورهم، لا يراه إلا من حبسه المرض، ومن قيده السجن، ومن أرهقته الملاحقة والمطاردة فاضطر إلى الانتقال من مكان إلى آخر، لا يقر له قرار؛ لأنه خائف يترقب، والخائف فاقد للحرية، أو إن شئت فقل فاقد لجزء كبير منها.
فانظر وتأمل حال من حبسه المرض، ومآل من قيده السجن، وحال من أرهقه السفر والانتقال، إنه يجول في خواطرهم أنهم لو ملكوا حرية الأصحاء والطلقاء والمقيمين لفعلوا المستحيل، ها أنت تملك ما لا يملكون وتتمتع بما يفقدون، فهل تصنع المستحيل؟
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.