خاطرة الحب والصمت والسنين

إنها امرأة في نهاية الستينيات من العمر - أي أصغر مني بضع سنوات- شاءت الأقدار أن ألتقيها محض صدفة على كرسي في حديقة...

كانت شاردة وكأن عينيها تنظران إلى أفقٍ بعيد والدمع يملؤهما..

كانت لا ترى أمامها ولا تسمع حولها وكأنها في عالم آخر... 

اقتربتُ منها، جلستُ بقربها وألقيتُ التحية فضولاً مني لأعرف ما بها... 

لم تجب بتحية بل استمرت في الكلام وكأنها كانت تتكلم منذ زمن قائلة:

- "ربّيتهم على الحب والعطاء ولكن لم يصلني من حبهم وعطائهم سوى الكلام، وأما أبوهم فإني أشك بأنّه قد فهمني يوما، بل أشك بأنّه يسمعني حين أتكلم.. هو غارقٌ في عالمٍ آخر لا أفهمه.. عالمٌ صامت.. غامض لا يجذبني أبدا ولا أجد لي مكانا فيه... لم نكن كذلك بل كنا نعيش بقرب وحب لم أتوقع وجوده يوما إلا بيننا.. لم تكن الابتسامة تفارق هذا البيت وكل شيء يعالج بهدوء وفرح...

- وماذا عن اليوم؟!

- تحوّل الهدوء لصمتٍ والفرح لصمتٍ أيضا، وبات كل واحد منا حتى أولادنا في قوقعته الخاصة يحيا! وإن قطع الهدوء شيئاً فهو نوعٌ من الصراخ، والتذمر، والاعتراض من أحدنا على أمرٍ ما وغالباً ما يكون تافهاً!

صارت مشاكلي تخصني وحدي، وألمي يعنيني وحدي، وتجاعيد وجهي أشعرها وحدي، وصارت قوقعتي تزداد عمقا إلى أن وجدت نفسي تائهة -كما ترين- وهم استمروا في الصمت ذاته..

في البعد ذاته وفي عوالمهم الخاصة بهم... كلّ على حدة... وبعيدا عن الآخر...

آه! كيف وصلنا إلى هنا... لا أدري!"

- "عفواً !! ..." -أضافت- "أهلاً بك...

ولكني كنت مسترسلة في الحديثٍ مع نفسي.. واقترابك مني جعلني أرفع صوتي لتسمعيه لأنني منذ زمنٍ طويلٍ لم يسمعني أحد... شكراً لكٍ...!!" 

قبّلتني في جبيني ومضت وتركتني في حيرة من أمري!!  

فالبعض يتوق للصمت والسكينة هرباً من صخب الحياة وضجيجها، والبعض الآخر الصمت يقتله ويكسر معانيه ومشاعره!!

جلستُ وحدي في الحديقة أفكر فيما سمعت وفي حياتي وبقيت ما يقارب الساعة دون أن أشعر بالزمن، وعدت لزوجي العجوز- مع أنّه أكثر شباباً مني- وقلت له:

- عندما أنظر للمرآة بعمق أرى ملامحاً تشبه روحي... فكلّ خط رسمه الزمن عندي كان لوجوده معنى، وكأنّه مرتبط بتوقيع في دفتر الحياة...

وتعدد الخطوط لا يعني تقدم العمر وحسب، بل يعني تعدد المعاني في قلبي!!

وهذا ما لا يقدر بثمن!

لن أحزن من خطوط تعلو وجهي طالما هي خطوط خطتها الحياة على مرآك... لكنّ خوفي مما يحفره الزمان -رغماً عني- في قلبي... فهذا.. لن تقبله روحي ولن تمحيه محايات العالم كله!

تكلّمت الكثير وهو ينظر إليّ وكأنه يمعن التفكير بكلماتي... عندما انتهيت قال لي:
صحيح...لا شيء يمحي مرارة غدر الزمان من قلبينا... ولكن لا شيء يمحي حلاوة الحبّ الذي فينا!!

في تلك اللحظة... سكتت الكلمات وغنى الحب...

 

اقرأ أيضاً

عن الوقت والكتابة والتفكير المنطقي | جولة ربيعية قصيرة

ذكريات | خاطرة عن الشوق إلى الماضي

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة