النظرة للحب تختلف من عصر لعصر، ومن شخص لآخر، وفي كثير من الأحيان من بيئة لأخرى، فالحب منذ 50 عامًا على سبيل المثال يختلف عما نشهده هذه الأيام.
والحب في المدينة في الغالب يختلف عنه في القرية، ويختلف أيضًا حسب أعمار المحبين، فحب المراهقة من المستحيل أن يقارن بالحب الذي يولد في العقد الثالث أو الرابع من العمر.
والأشخاص الذين يقعون في شباك الحب، تختلف نظرتهم له وتعاملهم معه كل حسب تركيبته العاطفية والنفسية ومدى سيطرة الغريزة الحيوانية عليه، وبذلك يمكن أن نقسم العشاق أو قل المحبين إلى 3 شرائح، فيوجد فصيل من الجنسين يقع في الحب الظاهري، الذي يعتمد على هيئة المحب ومظهره وواجهته الاجتماعية.
وهذا النوع من الحب أضعفهم على الإطلاق؛ لأنه ينشأ على مكونات عامة توجد في أشخاص آخرين، فالمرأة جميلة الوجه يوجد من هو أجمل منها، والأناقة والمظهر والواجهة الاجتماعية أيضًا درجاتها متفاوتة من شخص لآخر.
لذا نجد أنه حب هش أساسه ضعيف، قابل للانهيار في أقرب وقت؛ لأنه قام على أمور غير ثابتة ومتغيرة بين الأشخاص، فهو في النهاية حب شهواني تسيطر عليه الغريزة الحيوانية، لذلك يحاول صاحبه إخراج تلك الغرائز وتفريغ عقده النفسية تجاه من يحب، والتباهي بأن حبيبه على قدر من الجمال والمظهر اللائق أو صاحب واجهة اجتماعية معينة.
أما النوع الثاني من الحب، فهو الذي يجمع الأمرين معًا، الجمال والأناقة من ناحية، والشعور بأحاسيس ترتبط بالحب من ناحية أخرى، وتلك النوعية من الحب نستطيع أن نطلق عليها "الحب الوسطي"، الذي يرتفع درجات قليلة عن الحب الظاهري، وعمر هذا الحب يكون أطول من سابقه، وفي بعض الأحيان ينجح في الاستمرار حتى يصل لمرحلة الارتباط، والأرجح أنه يفشل مثله مثل الحب الشكلي أو الظاهري.
أما أقوى أنواع الحب على الإطلاق وأكثرها تماسكًا، الحب الوجداني أو الروحاني، فهو نوع غريب جدًّا من الحب، لا يتعلق على الإطلاق بقضية الارتباط من عدمه، قلما نجده هذه الأيام، حب الأساطير الذي سمعنا عنه ولم نعاصره.
ظهر بوضوح في قصص حب "قيس وليلى، وكثير وعزة، وأبو نواس وجنان، وجميل وبثينة" وغيرهم، وهذا الحب دائمًا ما يأتي خلال العقد الثالث أو الرابع من العمر، بعدما يصل الإنسان إلى مرحلة الاتزان النفسي والعقلي، والانضباط الحسي والشعوري.
إنه حب روحاني يصل لدرجة أن المحبين لا يتذكرون ملامح بعضهم بعضًا، بعدما سيطرت عليهم أحاسيس روحانية ترتبط برباط قوي بين قلبيهما، يجعلهما على اتصال دائم مهما باعدت المسافة بينهما، حب لا يعرف الطريق للغريزة الشهوانية على الإطلاق.
حب لا تستطيع أن تحدد له لغة محددة، فالصمت بينهما يكفي، وتلاقى العيون يعبر عن كل مشاعر العشق، وتواصل الأرواح رسائل قوية تزيد أحاسيس الحب بينهما، فهو في النهاية حب نادر جدًّا، لا يسقط في فخه إلا من عرفوا المعنى الحقيقي للحب.
هذا هو الحب الذي عبر عنه الشاعر جميل لحبيبته بثينة بقوله:
أبلغ بثينة أني لست ناسيها ...... ما عشت حتى تجيب النفس داعيها
بانت فلا القلب يسلو من تذكرها ..... يومًا ولا نحن في أمر نلاقيها
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.