خاطرة "التركيز".. خواطر اجتماعية

تخيل ذلك المشهد، بينما تسير في صحراء قاحلة في نهار أحد الأيام، ترتعد فرائصك من برودة جوها، ويلفح زمهريرها جلدَك، وتصفع رياحها الباردة بشرَتَك، ولا تجد في جعبتك شيئًا لتحصل على الدفء إلا حزمة من الورق، وعدسة مكبرة، ولكي تُشعل هذه القراطيس.

فإن عليك أن توجه العدسة نحو أشعة الشمس، فتبدأ النيران في التوهج، لتحصل بعدها على قسط من الدفء يبقيك حيًّا! 

في إحدى قنوات التعليم، لشرح قوة التركيز، فقد عرضوا مجموعة من الرهبان، وعرَّضوهم لدرجات حرارة منخفضة جدًّا، وفوق هذا.

فقد كانوا عراةً تمامًا إلا من ملاءاتٍ مبتلة بالماء البارد كذلك! وقد كانت هذه البرودة تكفي لقتلهم لولا أن هؤلاء الرهبان ركزوا على قوة الطاقة الحرارية التي تحملها أجسادهم، غيرَ أن العجيبَ في الأمر ليس هو مجرد نجاتِهم من الموتِ المُحقق.

بل لقد وصل الأمرُ إلى أن جباهَهم وجلودَهم بدأت تتصبب عرقًا! ما أدى إلى معادلة البرودة من حولهم وإبقائهم على قيد الحياة، وقد سمعتُ هذه القصة من الراحل إبراهيم الفقي رحمه الله، ولو صَدَقت، فلك أن تتخيل ما الذي يعنيه ذلك! 

كانَ لأحد العجائز حفيدٌ وحيد، وكانت تحبه حبًّا جمًّا، وفي حين كان يلعبُ في الشارع، إذا به ينحشر تحت إطارات حافلة ضخمة وكاد أن يلقى حتفه، ولكن هذه السيدة الواهنة، استجمعَت بأسَها ورفعت الحافلة وأنقذت حفيدها!

وكان هذا الأمر موضع تعجب كبير لا سيما من قبل الإعلاميين والصحفيين الذين هرعوا يسألونها: كيف استطعتِ فعل هذا الشيء الذي يعجز عنه الرجال الأقوياء أصحاب العضلات المنحوتة؟ ولكن الأعجب أن السيدة بكت؟

فسألوها: كيف تبكين في موقف كهذا والأصل أن تفرحي فرحًا شديدًا بنجاة حفيدك؟ فما كان منها إلا أن قالت: أَبكي لأنني اكتشفتُ بداخلي كنزًا من الطاقة والقوة، ولكن بعد أن مضى أكثر عمري دون أن أنتفعَ به! 

تركيز العدسة على أشعة الشمس أنتجَ نارًا حارقة، وتركيز الرهبان على القوة التي بداخلهم أثمرَ طاقةً من الحرارة تحفظُ لهم حيواتِهم من الموت، وتركيز العجوز الطاعنة في السن، الهزيلة في البدن، على القوة التي تحملها بين جوانحها أنتجَ قوة كانت كافيةً لرفع حافلة ثقيلة! إنها قوة التركيز! 

كتبتُ عن هذا المعنى العظيم في كتابي شآبيب، ومن أجل اقتناعي الشديد بما يحمله التركيز من قوة، أردتُ أن أعيدَ الحديثَ عنه في هذا المقال، وقبل أن أشرعَ في ذلك دعني أوضح لك المعنى الذي أقصده بالتركيز.

إنه اجتماع ملكات النفس في زمام صاحبها، ومن ثم توجيه هذا الزمام صوب غايةٍ معينة، بحيث يبعد أن يخامرَه الشرود، أو تنالَ منه الشواغل، ولا ريبَ أن المتحلي بالتركيز على هذا النحو، سيبلغُ ما يريده إن شاء الله ما دامَ على ذاتِ النهج. 

أيّا كان ما تسلط عليه عدسةَ تركيزك فإن هذه العدسة تُكبِّر الشيء المنظور وتجعله أعظم من حجمه الحقيقي، كما أنها تلغي تلقائيًّا المُحيط الخارجي تمامًا، هل رأيت؟ التركيز لا يقتصر على مجرد الاهتمام بشيء معين، بل هو يتجاوز ذلك إلى عدم رؤية الأشياء الأخرى من حوله، وعدم سماع أصوات المشتتات الكثيرة بين يديه! 

هذا الأمر جيدٌ جِدَّا إذا استخدم بطريقة إرادية مثالية! أعني أن الذي يستطيع توجيه بوصلة عقله للتركيز على ما يشاء فسوف ينجح نجاحًا منقطع النظير، العجيب أن العقلَ لا يستطيع التركيز إلا على شيء واحد في الوقت الواحد، ولكن لا تتعجل في استنكار ذلك.

أَعلم أنك تقول: وكيفَ بهذه الأم التي تعد الطعام وتغسل الأطباق مع المذاكرة لطفلها في آن واحد؟! هذا يا صديقي ليس تركيزًا، ولكنه مجرد القدرة على الجمع بين أنشطة متفرقة لا تحتاج لإعمال العقل بتركيز، سأفصل لك الأمر. 

من ناحية التفكير الذي هو عملية معقدة متراكبة، ينطبق هذا النمط العقلي (أي التركيز) عليه بصورة كاملة، فلا يستطيعُ عقل أعظمِ العلماء التركيزَ إلَّا على شيء واحد في الوقت الواحد، ويلغي عند التركيز على فِكرة مُعينة جميع الأفكار الأخرى.

لكن ماذا عن السَّرحان والشُّرود الذهني الذي يعترينا جميعًا عند مُعاقرة مهمة؟ الأصل هو أن العقل يُركز على شيء واحد في زمن المهمة المقصودة.

لكن لا ريب أن العقلَ يُصاب أحيانًا بالشُّرود فتنطلق أفكاره بعيدًا عن مهمته الحالية لكن هل تدري؟ هو فِي الواقع لا يفكر في الأمرين في آنٍ واحد، فَكُلُّ ما هُنالِك أنه ينسحب من نقطة الفكرة الأساسية إلى النقطة التي سيشرد إليها.

لو كان العقل عند الشُّرود والسرحان يركز في الأمرين (الأصلي والمسروحِ فيه) لكان ذلك أمرًا حسنًا، لأنه يعني أن بإمكان العقل التركيز في أمور كثيرة بالتالي توفير الوقت!

لكن الذي يحدث أن شُرودَ التفكير يكون بالخروج من دائرة التركيز بالكلية، فضلًا عن كونه للأسف يتَّجه غالبًا إلى أمورٍ غير مُهمَّة فيترتب على ذلك القصورُ والضعفُ والخلل فِي المُهمّة الأساسية، فضلًا عن المهمات الثانوية، وبالطبع فهذا ليس بالأمر الجيد على كل حال.

لكني لست بصدد الحديث عن الشرود والسرحان هاهنا، لَكنِّي هنا بصدد الحديث عن التركيز نفسه، التركيز الذي بواسطته يُمكِنُك اعتلاء القمم أو الهُوِيُّ إلى مراتعِ الوهن.

حينَ تُراقب أفكارَك وما تنتَحيه من سُبل ستُفاجَأُ بالأعاجيب، فبينا أنت بصدد البحث في مكتبتك المكتظة بالكتب عن أفكارٍ وأبحاثٍ تدعم بها كتابَك الذي انتويت كتابتَه، فإن عقلَك سيذهبُ إلى تلك المُشكلة الأخيرة التي حدثت بينك وبين مُديرِك في العمل، بَينا أنت تُذاكر دُروسَك قبل الامتحان.

إذا بِصورةِ صديقِك الذي حدثت بينك وبينه مشادة وخلافٌ تتراءى لك بين صفحات الكتاب فتُكدِّر صفاءك الذِّهني، بينما تنجزِ صَفقة مُربِحة، يذهب عقلُك بَعيدًا إلى طِفلِك الذي وُلد قبل عدَّة شهور وتتخايل بأفكارِك ما يُمكن أن يؤولَ إليه، وقد أودعته حضانةً لا تقوى على دفع مصارِيفها.

بينما تُفكِّر في السُّبل التي تُطوِّرُ بها ذاتَك وتترقى من خِلالها بإمكاناتك، فإن أفكارك تحومُ حول وضعِك المُتردِّي ودُيونِك المُتراكمة، في حين تتجوّل في الحدائق الغنَّاء والبساتينِ اليانِعة، فإن عقلَك يتجوّلُ في مرضِ زوجتك وخيانة أصدقائك وهمومٍ أُخرَى لا حصرَ لها!

جاء في الإنجيل: «يومُك يومُك»، وفي القرءانِ الكريم: «ولا تَمدنَّ عينيكَ إلى ما متعنا به أزواجًا مِنهم»، ونَصحنا ربّنا بالتركيز على ما نملك وغضِّ الطَّرفِ عمَّا لا نملك فقال تعالى: «ولا تَتَمنَّوا ما فَضَّل له بِهِ بعضَكم على بعض».

إنّ التركيز على الأمر المشروعِ في تنفيذه هو السعادة الكاملة، حتَّى إن كانَ الأمرُ شاقَّا، هل تدري لِماذا؟ لأن التركيز يعني إلغاء المُدخلات الخارجية، التي تعني ببساطة التشتت، والذي يؤدي بدوره إلى إهدار الطاقة الذهنية، التي إذا أُهدرت شعرت بالإعياء والتّعب، اللّذين يؤولانِ في النِّهاية إلى نقض بنيان السّعادة! 

عندما تُعاقر العمل على مهمة، فكن فِي غاية الوعي بأفكارك، ولا تسمح لعقلك أن يجوبَ آفاقَ الشرود، عليك أن تراقب تفكيرك مبدئيًّا، ولا تخف، لن يستمر هذا طويلًا، لأن العقل كالطفل الصغير، أو الدَّابة الأليفة تُروِّضها كيف شئتَ، واعلم أن «العلم بالتعلُّم والحلم بالتحلُّم والصبر بالتصبر» فمتى اعتاد عقلُك التركيزَ، فلن يكون للسرحان فيه موضع.

هذا بالنِّسبة للتشتت الداخلي، الذي يُمارسه العقل من تلقاء نفسه، فماذا عن التشتيت الخارجي؟ إنه أعظم بكثير وسترى ذلك لاحقا.

لكن التركيز الذي نومئ إليه لا يُناقض الخيالَ الرحيب، فليس معنى تركيزِك على شيء أن تغلق عقلك وتُحجمه عن التفكير والخيال، فانتبه، ربما يتَّضِح لك المعنى في هذا المثال التالي:

«عندما يكون الطالب بصدد مذاكرة درسٍ مُعيَّن ثم يدق جرس الهاتف فيجد أن صديقًا له يدعوه للخروج معه إلى السينما، فيردُّ هذا الطالب عليه بأنه مشغول الآن ولن يستطيع الخروج معه، فبالرَّغم من كون هذا الطالب فعل الشيء الصواب ولم يستجب إلى دعوات الخروج عن تركيزه، فإنه قد أهدر مثلًا 5 دقائق في الرد على المكالمة!

لكن ما سيحدث لاحقًا سيؤدي إلى تسرُّب المزيد من وقته، لأن عقله سيوف يذهب بعيدًا ليتجولَّ في مشاعر الحرمان وتخيل النشوة التي قد أضاعها بعدم الخروج مع صاحبه، وكيف أنه لم يقتنص الفرصة التي أُلقيت إليه من السماء لسماع الفيلم الذي يحبه، فربما استغرق ذلك مثلًا ربع ساعة أخرى كي يستطيع العودة إلى نقطة تركيزه.

وبينما هو كذلك إذا بأمه تنادى عليه ليصنع لها شيئًا، فإذا فعله، نظر إلى ساعته فوجد أنه قد قضى ما يزيد على الساعتين بعيدًا عن المذاكرة، فأصابه ذلك بالإحباط والشعور بالخيبة، لكن شُعورًا آخر خامره عندما تذكر أن تلك الساعة التي في يده قد أهدتها له صديقته التي يحبها.

في عيد ميلاده الذي مضى عليه 3 أشهر، فيهيمُ في مشاعر الحب والغرام متذكرًا تلك الأحاسيس التي اعترته أول مرة عندما قابلها في درس خصوصي، وذلك عندما سقط القلم من يدها فهمَّ أن يُناولَه لها في الوقت الذي همت هي الأخرى أن تتناوله فمستَّ يدُه يدَها فشعر بقشعريرة وهزة في أنحاء جسده، وعندما نظر في عينيها أحسَّ كأنما يسبح في بحرٍ من الصبابة والغرام!

وبينما هو غارقٌ في أحلامه، يُفتح باب غرفته فإذا بأخته الصغيرة تدخل بدراجتها البخارية لأخذ بعض أغراضها الصغيرة من غرفته، فينهَرها بقوة لا لكونها قطعت حبل تفكيره عن المذاكرة.

ولكن لكونها فعلت ذلك في تخيلاته عن محبوبته! ثم يعود من حلم يقظته ويفيق على أنه قد مر من وقته 4 ساعات دون أن يصنع شيئًا، لكن لقد بقي له شيء واحد ليفعله، لقد حان موعد النوم!»

فما الذي يعنيه التركيز في نظري؟

أولًا: التركيز على أهدافك، إذ لا تشغلك عنها تقلبات الحياة، وهذا هو رأسُ الأمر وذروة سنامه، وما عداه فليسَ إلا تفريعاتٍ عنه، إن صعوبة التركيز على الأهداف تكمن في شيء واحد، وهو أن الأهدافَ تكون قيد التخيل والتمني وهذا لا يعدو أن يكونَ شيئًا معنويًّا غيرَ ملموس، في حين أن المشكلات الحياتية والحاجات اليومية هي أرض الواقع، وكم بين الحقيقة والخيال.

لكن إذا استطعتَ أن ترتقي بأحلامك إلى الدرجة التي تراها فيها كأنها رأيُ عين، فعند ذلك ستستطيعُ التركيزَ عليها، وهنالكَ وحسب يمكنك بلوغها، أما أن تدع من تصاريف القدر حجةً على الانصراف عن التركيز على أهدافك، فتأكَد أن هذا قطعًا ليس ما يفعله الناجحون. 

ثانيًا: التركيز على شيء واحد في الوقت الواحد، يمكنك أن تجمع بين عديد من الأنشطة ولكن في حالة واحدة، وهي أن تكون جميعًا غيرَ مهمة! فلا ضيرَ أن تتكئ على أريكتك وفي الوقت نفسه تشاهدَ التلفاز وتتصفحَ مواقع التواصل الاجتماعي وتخوض في الغيبة والنميمة (أنا أمزح فحسب) 

ثالثًا: التركيز على عملك أو مهمتك الحالية، لا تدع لعقلك الفسحة في التنقل بين الأشياء غير الموجودة، لا تدع أحلامَ اليقظة تسرق وقتك، لأنها بالفعل ستسرق وقتك حتى أحلامَك نفسَها، ما دمتَ لا تركز بالكامل على مهمتك الحالية فتعطيها أفضلَ ما لديك! 

رابعًا: صَبُّ تركيزك على أكثر الأمور أهمية، فعندما يكون لديك كثير من المهام فاستعمل قانون الـ( 80- 20) أو قانون باريتو، الذي يعني التركيز على المهام الأكثر أهمية التي لا تمثل أكثر من 20% في حين تؤدي إلى 80% من النتائج.

خامسًا: التركيز على مشاعرك الحالية إذ تعرف إلى أين تقودُك، فإن كانت مشاعرَ إيجابية فاجعلها حافزًا على العمل المُتقن، وإن كانت غيرَ ذلك، فلا تُعطها فرصةً للنيل من طاقتك. 

توجد إحصائية كنتُ قد سمعتُ بها قديمًا، حيث أحصت أحد مراكز البحوث الإحصائية عدد ساعات العمل الفعلية التي يؤديها الموظفون في البلاد الأجنبية والعربية، وكانت المفاجأة أن الموظف العربي لا يعمل فعليًّا أكثر من 27 دقيقة يوميًّا، في حين أن مدة العمل الواقعية هي منذ الثامنة صباحًا حتى الثانية ظهرًا! 

تخيل كيف سيكون إنتاج أمة تعمل بمقدار أقل من 7.5% من طاقتها الفعلية؟ 

إننا كثيرًا ما نُلقي باللوم على الظروف الخارجية ونصنع من أنفسنا أشخاصًا ضحايا لا يملكون من أمر أنفسهم شيئًا، في حين نحن من نقتل أعمارنا ونُهدر طاقاتنا من خلال العمل بلا تركيز!

إذا شرعت في مهمة، فالأفيدُ لك قطعًا أن تَهبَها كلَ تركيزك وألا تنشغل عنها بما عداها، وإلا فأنت بذلك تَهرقُ دماء فكرِك في بيداء خاوية لتُثمرَ أكمامًا خالية من الثمر، وعلى النقيض، فإن تركيزك يعني توفيرَ طاقتك الذهنية وطرح أشجارٍ ضاربةٍ بجذورها في غوائر الطبيعة. 

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة