خاطرة "البلاء والصبر".. خواطر حزينة

أصبتُ بنزلة بردٍ، اشتدَّ السعال فيها عليَّ، وشعرتُ بجسمي وقد تآكلت قواه وارتفعت حرارته. فلم أقدر على فعل أي شيء كنت أفعله عادةً. فلم أقرأ، ولم أكتب، ولم أخرج للتمشي، ولم أزر أحدًا. وقد ضاق صدري من المرض في لحظةٍ، فكدّت أسب المرض والدنيا والعالم والحياة!

لكنّ غزة التي لا تغيب عن تفكيري، قفزت بمشهدٍ واحدٍ إلى ذهني، وكأني بي وبذلك الطفل المرتعش في مكانٍ واحد، غير أنه في خيمةٍ تصب الماء صبًا، والأرض ليست سوى بقعٍ من المياه العكرة.

وذلك الطفل يلتحف بطانية نصفها غارقٌ في بركة الماء، والنصف الآخر يشرب قطرات الماء التي تتساقط من مزق الخيمة.

والطفل يرتعش من البرد ويسعل بقوة، ينام على حصيرةٍ قد ارتوت من بحيرة الطين في أرض الخيمة. فلا أم ترعاه ولا إخوة يتدفأ بأحضانهم، فقط هو وبعض الأطفال الذين تيتموا مثله موزعين في الخيمة.

فكرتُ فيها فقلتُ: أنا لي بيت يقيني البرد والمطر، ولي فراش وثير وغطاء دافئ، وأمٌ لا تنام حتى أنام حفظها الله. وأنا متأكد أني عندما أستيقظ غدًا سأجد فطوري جاهزًا، وأهلي كلهم من حولي الحمدالله. وذلك الطفل لا أم ولا طعام ولا دواء ولا أهل، وقد يكون ممن فقدوا أطرافًا ويعيش هذه الحياة!

أفلا أكون مؤدبًا مع نعمة ربي ومشفقًا لمصاب أخي؟ فما المرض الذي أعانيه بشيء، وإن طال، لا شك زائل، لأنه مرض عارض. وأما ابتلاء الطفل، فليس بعارض، حتى وإن توقفت الحرب وزالت أسبابها. فلن تعود حياته كما كانت. فمن يحبهم رحلوا، وملامح وطنه مُحيت. فلا بيت قد بقي، ولا مدرسة، ولا ملعب، ولا متجر، ولا حتى الناس قد بقوا. الكل رحل!

ثم آتي أنا متسخطًا من عارضٍ يزول، فهل أساوي ذرة في ظفر قدم طفلٍ من أطفال غزة؟!

وكما في الحديث «إِنَّ عِظَمَ الْجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ الْبَلاءِ، وَإِنَّ اللهَ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلاهُمْ، فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السَّخَطُ»

فأين نحن وأين هم؟ أحبهم فابتلاهم، فرضوا ولهم الرضا بمشيئته سبحانه! ونحن بابتلاء وبغير ابتلاء، ساخطون نتذمر والنِّعم علينا تفيض، ثم تلهج الألسنة بالحمد نخادع أنفسنا عذرًا، فلا مجال للمقارنة.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة