عندما كنت طفلًا صغيرًا كنت أحب أن أقرأ، ليس كثيرًا ولكني كنت أبحث بين طيات الصفحات عن الحرية. ليس الموضوع سياسيًّا على الإطلاق، بل حرية الإنسان فيما يلبس ويأكل ويعيش الحياة كما يريد هو لا المجتمع والأهل والناس. كنت أبحث في داخلهم عن أشد القصائد تعاسة، وكل ما يطغى عليه اللون الرمادي الباهت والطابع الوجداني بشكله الأليم.
اقرأ أيضًا: خاطرة «الذكريات والحنين».. خاطرة وجدانية
وكانت توجد بعض النصوص التي تتحدث عن حب الوطن والعائلة، عن الفلاح وصديقه أبو قردان، عن حب الوطن وحب المجتمع، و"سأخون وطني" للماغوط، وكبرت وأنا أقرأ العلوم والتاريخ والجغرافيا وعلم الاجتماع.
أما الآن فقد أصبحت أقرأ عن التنمية البشرية التافهة، وكيف تصبح اجتماعيًّا في ثلاث ساعات، وأصبحت أركز على نحو خاص على تلك الكتب التي انتحر كُتابها، حتى فصلتني تلك الكتب اللعينة عن الواقع تمامًا، وجعلته غير محتمل بأي شكل، وأورثتني من الكآبة والسواد القاتم ما أستطيع اليوم توزيعه على حياتكم جميعًا.
لكن دعكم من تلك النظرة السوادوية اللعينة.. الآن أريد أن أحكي لكم قصة تحمل بداخلها كثيرًا وكثيرًا من المعاني.
في إحدى ليالي الصيف الحارق اتصلت بي أمي عندما كنت ألعب مع صديقي ونتحدث عن بعض سفاسف الأمور، وقالت إنها تحتاج بعض الدواء، تعالَ في أسرع وقت يا بني؛ فحالتي صعبة جدًّا. قلت لها: حسنًا يا أماه. وأغلقت الهاتف. ولكن مرَّت ساعات وأنا نسيت تمامًا أمي ولم أحضر لها الدواء؛ فاللعب والحديث مع صديقي سرقني من العالم.
وفجأة تذكرت أمي وذهبت مسرعًا إلى البيت، وفتحت الباب ووجدتها على الأرض، وجهها شاحب ومغشي عليها، وتبدو وكأنها متعبة بشدة. بدأت دقات قلبي ترتفع وتنبض بسرعة وأنا أصرخ: أمي.. أمي.. أماه. لكن الصراخ لم يعد ينفع، لقد ماتت أمي، وهذا بسببي أنا.. أنا من تأخرت عنها ونسيتها تمامًا.
لقد فات الأوان، وبدأت عيني تصب الدموع صبًّا، وشعرت حينها أن حياتي توقفت. فزعت عندما دخلت عليَّ أمي وقالت: استيقظ يا بني لقد جهزت لك فطورك. ركضت مسرعًا نحو أمي وحضنتها بشدة وبكيت في أحضانها. قالت: ما بك يا بني؟ قلت: لا شيء يا أمي، لقد مات وطني.
هكذا كنت أنا، ثم إنني نسيت أمي تمامًا، وبدأت في قراءة الكتب التي ترضي المجتمع والناس، ونسيت تمامًا فلسفتي الخاصة وأنني لا بد وأن أسير عكس التيار، طالما أنهم ينادون بالتحرر في كل شيء، مع أن هذا المعنى خاطئ، وأن التحرر يكمن في العقول لتتحرر من الجهل وظلماته إلى المعرفه ونورها البراق، وما وجه التحرر في أن أستلم شهادة الجامعة في يوم التخرج وأنا أرقص مثل الراقصات والعاهرات، فما الفرق إذًا بيني وبينهم؟!
لقد شاهدت فيديو لفتاة في حفل تخرجها ترقص بكل حيوية وكأنها قادمة إلينا من شارع الهرم، حتى إن جسدها لامس جسد الشباب حولها، وكأنها بضاعة رخيصة الثمن لا مالك لها.
والغريب أن أمها ظهرت في فيديو آخر تبرر ما فعلته ابنتها المصونة، لتخبر مصرنا كلها أنها فتاة ذات أخلاق حميدة، وأنها كانت ترقص بكل حياء، وأن هذا ليس جرمًا يحاسب عليه.
فالكلام نقيض الواقع تمامًا؛ فهي لا تعرف عن الحياء سوى أنه مات عندما ماتت الإنسانية والنخوة وأصبح هكذا حالنا. في حفلات التخرُّج، تعرف مَن الذي هذَّبه علمه، ومَن الذي لم يزده تعلُّمهُ إلَّا اعوجاجًا. فبئس العِلم الذي لا يُهذِّب صاحبه.
صدقنى لآ أجد تعبير لوصف هذة
الخاطرة وماهى إلا تحصيل حاصل
لواقع مؤلم نحياه لقد سألت نفسى
كثيرا هذة الأسئلة المتكررة ومازلت
أسئلة دون جواب شافى للعقل؟
👍👍💙
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.