يذكر أن مهندساً عمل لدى إحدى شركات عشرات السنين، ولما بلغ الستين من عمره أحيل للتقاعد، وعندها أخبره مدير الشركة أن يُشرف على بناء منزل أخير وبعدها ستوجه له الشركة الشكر على جهوده وخدمته لها طوال هذه السنين..
ولما انتهى المهندس من بناء البيت وأصبح البيت مهيئاً للسكنى، ذهب للمدير ليخبره بأنه انتهى من عمله الأخير، فأعطاه المدير مفاتيح البيت وقال له: هذا البيت هو جائزة نهاية خدمتك، فذُهل المهندس، لأنه كعادته لم يُتقن بناء البيت، وقال في نفسه لو أعلم أنه لي!
لماذا أصبحنا لا نعرف للإحسان طريقاً؟ لماذا لا نتقن أعمالنا؟ نحن أتباع دين كل شيء فيه يحث على الإتقان، ربنا الذي نعبده صنع فأتقن {صنع الله الذي أتقن كل شيء}، ونبينا الكريم أمرنا به، بل إن المتقنين يحبهم الله [إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يُتقنه].
والإتقان يجب أن يشمل أمور الدنيا والآخرة، فالعبادة تحتاج إلى إتقان، الوضوء والصلاة والزكاة والصيام والأمر بالمعروف والدعوة إلى الله، الخ.
تعال معي نطوف حول بعض العبادات، وكيف أُمرنا بإتقانها، فمن الواجب أن تسبغ الوضوء حتى وإن كان الماء قد تجمد من شدة البرودة، [ألا أدلكم على ما يمحوا الله به الخطايا ويرفع به الدرجات، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: إسباغ الوضوء على المكاره.
وحذر رسول الله من التساهل في الوضوء فقال: ويل للأعقاب من النار.
أما الصلاة فإليكم خبر رجل دخل المسجد وركع ركعات ثم أقبل على رسول الله مسلما عليه، فرد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم السلام وقال له ارجع فصل فإنك لم تصلِ، عاد الرجل وصلى ثم أقبل على رسول الله مسلما عليه فرد رسول الله عليه السلام وقال له: ارجع فصل فإنك لم تصلِ، وكرر الرجل صلاته مرارا ولكن كان رد النبي صلى الله عليه وسلم ارجع فصلِ فإنك لم تصلِ، فقال الرجل: والله لا أجيد غير هذا.
فعلمه رسول الله إذا أردت الصلاة فأسبغ الوضوء ثم استقبل القبلة ثم كبر واقرأ بترتيل واركع حتى تطمئن راكعا... إلخ الحديث.
فلا قيمة لصلاة لا يتقنها صاحبها، ولا قيمه لوضوء لا يحسنه صاحبه، ولا قيمة لعمل لا يُبذل فيه جهد ولا يُعمل فيه فكر.
هذه الأعمال التي نقوم بها تعرض على الله الذي أتقن كل شيء، وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون، فقدمها في أحسن صورة، عائشة رضي الله عنها كانت تطيب الصدقة؛ لأنها تضعها في يد الله قبل أن تضعها في يد المسكين.
تقع آلاف الحوادث بسبب التساهل والتقصير في الأعمال، فبسبب الطبيب الذي لا يُتقن عمله يموت المرضى، وبسبب المهندس الذي لا يتقي الله تقع البيوت على رؤوس ساكنيها، وبسبب المعلم تُخرج أجيال تعلوها الجهالة.
ولو أن كل واحد منا أتقن عمله لتغير حالنا، ولنهضت أمتنا، ولخرجنا من كبوتنا.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.