خاطرة «اغتراب».. خواطر إنسانية

عندما أسافر عبر الكلمات، وأرحل بمركبي في نهر الحياة، الدافق بالمحبة، المترع بالجمال والحب، تستوقفني بشاعة هذا العالم المملوء بالمتناقضات، والحافل بالبغضاء والكره، والمستوطن بالأوهام والأفكار البالية، والمعتقدات الموروثة.

في تلك اللحظة الفارقة، أرحل في العيون، وألتمس حرارة الشفاه، وأسترق السمع إلى أغاني الحياة الإنسانية التي تنبض بها قلوب البشر، فإذا تلك العيون، وتلك القلوب، وتلك الشفاه، ثملى بخمرة الحياة، وجذلى بسيمفونية الوجود المقدس الذي يعزفها الكون على أطلال مسرح الفضيلة.

فالإنسان في هذا العالم البغيض، يحيا ليموت، ويضحك ليبكي، ويعشق ليتألم؛ لأنه محكوم عليه بالشقاء، وعلى الرغم من أنه يحمل في كيانه، كل مقومات العيش الرغيد، وكل القدرات والإمكانات الفردية، لمعانقة روح الإبداع والتفرد والخلق، فإن هذا الزمن الرديء، حوَّل له وجهته إلى مسار آخر، مسار مملوء بالأشواك، وملطخ بالأوحال.

اقرأ أيضًا: الإنسانية.. كيف نميز بين الانتماء في الإنسانية وعدم الانتماء إليها؟

وهنا تكمن المأساة البشرية، وينسلخ الفرد عن إنسانيته، ليرتدي "جلبابًا" ليس على مقاسه، ولكن على الأصح "جلباب" غيره المتمثل في المجتمع الذي ينضوي تحت لوائه المهترئ.

هذا المجتمع الذي يجتمع أفراده، ليتآمروا على فرديتهم، ولينتحلوا شخصيات مزيفة، تهدم بنيانهم الأصلي الذي يقوم عليه وجودهم، ويحيلهم إلى روبوتات بشرية، لا دور لها سوى تطبيق تعليمات الضمير الجمعي، هذا الضمير الذي فقد ضميره، وذلك عن طريق دس سموم التفاهة والابتذال، في كل ركن من أركان نسيجهم الفكري والمعنوي.

فأضحى الإنسان الفرد، يعاني الزيف والاغتراب، ويعيش في غيبوبة نفسية، لا يستطيع الخروج منها ألبتة.

ولندرك حجم الكارثة، وعمق الهوة، التي رمى الإنسان نفسه فيها، وألقى بذاته في غياهبها، يجب أن نلقي نظرة فاحصة، على ذلك الفكر الهدام الذي تنتهجه سياسة المجتمع تجاه الفرد، وكيف تزرع فيه عن طريق أجهزتها الأيديولوجية، نموذجًا للفرد التابع المارق عن خلاصته الروحية والأخلاقية النبيلة والبناءة، وتميد به عن عالمه الأصلي الذي خلق من أجله الذي أساسه الخلق والتفرد والإبداع.

اقرأ أيضًا: الحضارة الإسلامية إنسانية وعدل ومساواة

إن هذه الغربة الوجودية، التي أوقع الفرد نفسه في شراكها التي أصبحت تستنزف طاقته، وتثقل كيانه، وتهدد هويته، لا يمكن أن يخلص نفسه منها، ما دام هذا الفرد يبحث عن نفسه خارج نفسه.

بمعنى آخر، ما دام يبحث عن خلاصه خارج أسوار ذاته، أعني في المجتمع الذي ينضوي تحت رايته العقيمة.

إن كل فرد فينا، يملك من الدرر الفكرية والأخلاقية النفسية، ما يغنيه عن كل الإملاءات والأصنام غير الإنسانية التي يتبع تعاليمها، ويسجد في محرابها، ويصلي لادعاءاتها، ويبتهل لحماقاتها.

نعم إن هذا الفرد فلتة من فلتات الخلق والإبداع، إذا قام في يوم ما ليلبي صوت الضمير الحي في داخله، ويسمو بنفسه عن كل ما يسبب له الاغتراب والانبتات، ويحلق في سماء الوعي والانبثاق، لا بد أن تنجلي ظلمة نفسه، وتحيا روحه المضطهدة، ويعانق روح التحرر والانعتاق.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

ابحث في السفر عن وجه
الزمان لعلى أقتل الحزن واصافح الأيام
أفق في رصيف الإنتظار إشارات المرور تفتح ولكن قدماى مكبلان؟
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

سعاد أريدك متفائلة ، هوني عليك بنيتي
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

لولا امثالك أصحاب الدعم الفني والمعنوى
لاضاع منى الطريق
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

طريق الانسان كله محفوف بالمخاطر ، المهم ان يقف على قدميه ويقول للدنيا انا لازلت هنا ....
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة