-وإني لأرى يا صديقي أن الغاية من وجودي هو أن أكون أنا، أن أحقق وجودي الكامل بكل زواياي وجوانبي، أن أتناغم مع الطبيعة.
منذ الأزل والإنسان يبحث عن نفسه فوق كل المحسوسات والمرئيات، يبحث عن الحقيقة التي جاء منها وتكوَّن في جسد إنسان يتفاعل مع الطبيعة، ولكن أين ذهب الجزء المفقود؛ ذلك الجزء الذي ما قبل مجيئه إلى هذا العالم؟
إنه لا يذكر شيئًا، ولكنه يشعر؛ يشعر بانتمائه لأشياء لا تفسر، فتجده يكتب ويقرأ ويرسم ويعزف ويتفلسف.. ويفنى الإنسان ويأتي إنسانًا بعده يستكمل مسيرته.
أخبرني يا صديقي، لمَ نحن نقرأ؟ ولمَ نستمع للموسيقى ونُطرَب لها؟ لمَ نحاول دائمًا تجريد الأشياء من صفاتها وحواسها ومحاولة اكتشاف ماهيتيها الحقيقية المجردة؟
لمَ ظهر علم الفيزياء والفلسفة والرياضيات ومثَّلت هذه العلوم تاريخ البشرية ككل؟ حتى اليوم تُكتَب الكُتب وتُؤلَّف المؤلفات وتتوارثها الأجيال لعقود بل لقرون كذلك...
لأنه متى ما كان الإنسان واسع الأفق ثري الوجدان، كان أقرب لحريته أكثر.. لحقيقته.. لوجوده.. ولمصيره..
-أما أنا يا صديقي، فأبحث عن المعنى أيضًا؛ لأني أثق بأني سأتمكن من معرفة ذاتي وفهمها إن وجدته..
أنا يا صديقي أحتوي على جزء واحد فقط في ذاتي الذي يفتقر لأجزائه الأخرى؛ لذا لا أفهمني، لأن صورتي الداخلية لم تكتمل بعد.
بل إن ذلك الجزء الوحيد الذي خلقت وهو بحوزتي، قد تصدع كذلك وشوهته الندوب، فآمل أن يسترد عافيته بمؤازرة أشقائه من الأجزاء المفقودة..
فكلما توغلت في المعنى أكثر، أجد أني قد لملمت بعضًا من روحي، ولكن لي طريقتي في ذلك.
فأنا أجد معنى الشيء حين أقتحمه وأسافر بعمق فيه، حتى أجد جوهره وألتحم به، أراه يتجسد في صور كثيرة؛ في لحظات تجلي الطبيعة.. لحظات شروق الشمس الأولى والغروب الأخيرة التي تمثل الوقت الآن وقت الغروب.. سكون الليل ومجيء القمر بدلاله وبرفقته حشده من النجوم..
زخات الغيث الخفيفة الأولى، ثم أمطارها بغزارة.. الموسيقى.. هذه النوتات التي أشعر أنها وجدت لتعزف على روحي فقط.. كيف لذلك الهواء المضغوط المتجسد كنوتة أن يبعثر كياني هكذا؟
إن الموسيقى لغة المشاعر، والعازف يجسد مشاعره كمقطوعة، وكلما كانت المشاعر صادقة، اتصلت بروحي وشكلتها.
الكلمات يا صديقي الكلمات.. إن الجملة المكتوبة تترسخ في الوجدان أكثر من تلك المسموعة..
هذا ما أومِن به؛ لذا أنا أقرأ.. أقرأ في كل شيء، الفلسفة والعلوم والأدب والروايات والشعر، ومع ذلك فمعرفتي ضئيلة ضئيلة جدًّا..
العمر يمضي وحياة واحدة لا تكفيني، ففكرة أني في كل رواية أسافر في عالم لم أذهب إليه قط، وأعيش مع أشخاص خياليين، وأختبر أنواعًا جديدة من المشاعر.
فقط من مكاني هذا وبواسطة الكلمات، في كل كتاب فكري أقرؤه أجول في عقل مختلف عني، عقل نابغ وجد في هذا العالم.. أرى أفكاره وفلسفته التي تمثل رحلته في الحياة .
أومِن بأن المعنى الحقيقي للحياة لا ينحصر في جانب واحد.. لا ينحصر فقط في العلم أو الأدب أو الفن أو الدين، بل أرى أن كلها تجسد الحياة بطريقة ما.
وأن تركيب كل هذه الجوانب سيحل لي أحجية الحياة، ويجلي لي معناها، لذا أنا أدرس بشغف وأستمع للموسيقى بجنون وأرسم وأقرأ.. وأفكر وأفكر وأفكر في جوهر كل شيء، فهذا هو السبب الأول في افتتاني الكبير بكل هذا..
ولكوني كائنٌ متعدد الشغف حياته ممتلئة بل وتفيض.. أنا أبحث عن المعنى عن الحقيقة.. كل هذه الجوانب وما تكشف لي..
لا أستطيع أن أصفه، وعلى الرغم من سردي الطويل هذا إلا أني أشعرُ بعجزي عن إخراج ما أراه وما أشعر به..
أشعرُ بعجزي الكبير عن التعبير عمَّا ألتمسه في خلوتي وتأملي.. إن تناقضي يتجلَّى في كل حرف في الأعلى.. هل تراه؟ هذا هو قدري.. وهذه هي أنا.
👍👍❤
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.