خاطرة "أيامٌ بلا تاريخ".. خواطر وجدانية

كيف لكُل تلك الشهور والسنين أن تترك أياماً خاوية.. أياماً ليس لها شهور ولا تنتمي إلى أعوام؟

فأيامنا هي نوعٌ من أنواع القصص.. القصص التي نحياها في كُل صباحٍ ومساء لكن بطُرقٍ مُغايرة! ولا تموت قصَّة ما دامت قابلة لأن تروى، فإن كانت قابلة لأن تُروى فهذا يعني أنها ما تزال تجاورنا في دروبنا ولم تُنسَ.. وجميعنا نقتني قصصاً عديدة لنرويها.

وبما أن تلك الحكايات تكون غالباً - مؤلمة - نمتنع عن التحدُّث عنها جهراً ونكتفي بذكرها بصوتٍ خفيض.. لا يسمعهُ الأنا، وإن لم نذكرها اليوم، سنذكرها غداً، وإن لم نذكرها غداً فسنذكرها الأسبوع المقبل.

لكننا لن نتمكَّن من الهرب، والقوي هو من يتصدَّى ويواجه حتى وإن كان ذلك باباً لبؤسه، فلا ضير في كوننا لا نتقبل تلك الحقائق.. أو بالأحرى لم نتمكَّن بعد من تصديق أننا أصحابها، لكن الجاني الحقيقي وراء قتل أنفسنا هو.. الخوف، ألا نتمكن من الوقوف أمام حقيقتنا ونحاول أن نقبلها أو نتناسها لتكتمل الحياة ونكتشف خبايا جديدة نخشاها

لكنها حكاياتنا نحن، من غيرنا إذاً سيرويها؟ من سيفتخر به؟ من إذن سيُربت على أكتافنا ويقول: حقاً.. كم تجاوزت الكثير

قد يكون هذا اليوم الذي لا يتخلى عنك مر عليه سنواتٍ عديدة، ولم يقتنص من حياتنا إلا نهاراً واحداً.. ومساءً واحداً، لكن في قلوبنا.. لقد سرق الكثير، وعلى رأسهم دقيقة أهدرناها في تذكر شيءٍ قُتل ودفن منذ زمن ولن نستطيع أن نُغير به شيئاً..

وتلك الليالي الطويلة التي تركناها للزمن لم تكن تستحق أن نولي لها ظهرونا، وقد كُنا نستطيع أن نصنع بها آلاف الأشياء ونُغيِّر بها الكثير لنتذكره بدلاً من تلك الأشياء التي نتذكرها ولا تُفيدنا بشيء سوى الشعور بالعجز والضعف..

لا تجعلنا نُبصر إلا كم نحنُ هُزلى أمام تلك الذكريات المهولة، فتلك الأربعة وعشرون ساعة مروا بداخلنا ثلاثمائةٍ وستون يوماً.. عاماً كاملاً مر علينا بلا وعي منا، لم نشعر حتى بمروره، لم نُحقق حُلماً، لم نجعل أملاً تمنيناه طويلاً جُزءًا من طريقنا الموحش..

ولم نُغير تلك القاعدة التي نسير بها في حياتنا حتى لا نُضيِّع ما بقي من العمر في متناول أيدينا، بل ندع الأيام تتسلل من بين أناملنا دون حتى أن نُفكر فيما كان يجب أن نوثق في تلك الأيام من ذكريات بديعة تُخفف من تلك الليالي الكئيبة التي لا نترك لها الفُرصة لتبتعد عنا.

ويمر العُمر أمامنا على مهلٍ.. لكننا لا نتشبث به، لا نرجوه للبقاء قليلاً حتى نضع بصمتنا في تلك الحياة ونوثق لمن سيأتي بعدنا.. أننا كُنا هُنا يوماً، وكافحنا، وثابرنا، وبذلنا كل ما في وسعنا لتحقيق رغباتنا حتى لو لم تتحقق كما وددنا.. لكن أثر أقدامنا التي كُنا نُصارع بها نحو تلك الأحلام.. لن يختفي، سنرحل مهما نرحل.. وسيبقى الأثر.

الحياة ليست عدوَّتنا.. بل نحن من ألصقنا بها تلك التُهمة لنُخفي بها أخطاءنا تجاه أنفسنا حتى نشعر بالراحة عندما نقول إن الأيام لن تكون أبداً حليفتنا، فالحياة لا لومٌ عليها.. تلك هي مُهمتها، أن تكون لنا بالمرصاد، عندما نزرع وردة.. تقطفها، عندما نبني غدنا.. تهدمه، أن تكون شيئاً يدعونا لليأس والقنوط.

في بعض الأحيان، يكون الاستيقاظ من النوم ثقيلاً، البوح ثقيلاً، وحتى التنفس ثقيلاً، وتفقد عقولنا ألوانها الزاهية، ونكتفي بتقبل الهزيمة، نتقبل أن الأيام هزمتنا، والسنين هزمتنا، والماضي أيضاً هزمنا.. لكن في النهاية نحن من أضعفنا أنفسنا بأيدينا.

ويوماً بعد يوم.. ترسم الليالي على ملامحنا بدقة.. خطوطاً عريضة تُبرهن على فوزها الساحق علينا.. وينخمد توهج الأحلام في أعيننا.. ويُقتل الشغف في أرواحنا، وتشرق الشمس على العالم لكن لا تبزُغ علينا، ويدوِّن من حولنا حكاياتهم في دفاتر العُمر وتبقى أحبار أقلامنا جافة، وعندما يُبصرنا الناس يظنون أننا ما زلنا في ربيع العُمر.. وعندما ننظر في المرآة نرى أن الشيب لم يترك لنا متسعا من الحُلم.

 

اقرأ أيضاً

- رواية 9 ملي .. تعرف على ملخص رواية 9 ملي للكاتب عمرو الجندي

- ثمن النفس والتعرف علي افكار الإنسان

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة