خاطرة «أن تتذكر: عبء أم ثروة؟» خاطرة وجدانية

تُعدُّ الذكريات من أبرز ملامح التجربة الإنسانية التي تؤدي دورًا محوريًّا في تشكيل هويتنا؛ فهي ليست مجرد تجارِب عابرة أو صور تذكارية، بل هي شظايا من لحظات عشناها، تترك بصماتها في أعماقنا.

مع أن الذكريات تحمل جمالًا خاصًّا، فإن لها أيضًا جوانب مظلمة قد تؤثر بعمق على صحتنا النفسية، ومن الممكن أن تلتصق بالشخص كاللعنة مدى الحياة؛ فمع مرور سنوات العمر نكتشف كيف يُمكن أن تكون الذكريات سلاحًا ذا حدين، لذلك يجب علينا محاولة الاندماج، ومعرفة كيف يمكننا التعامل معها بفاعلية.

جمال الذكريات

مع تألق الذكريات بجمالها الفريد؛ الذي يجعلها تحملنا إلى لحظات السعادة والراحة التي قد تكون لحظات بسيطة كضحكة مع الأصدقاء أو عناق دافئ من أحد أفراد الأسرة، أو الشعور بالإنجاز عند تحقيق هدف ما، فعندما نستحضر تلك الذكريات؛ نشعر وكأننا نعود إلى زمنٍ مضى حين كانت الحياة أكثر بساطة وهدوءًا ودفًأ.

لا أنسى تلك الأيام الأولى بالعام الدراسي، عندما كنا نركض أنا و أصدقائي في فناء المدرسة بعد نهاية يومنا الأول، كنا نلعب ونختبئ وراء الأشجار والجدران، ونجمع التوت المتساقط استعدادًا للخريف، ونضحك حتى تسيل دموعنا ولا نبالي.. كانت تلك لحظات مملوءة بالبراءة والفرح، ولا زلت أشعر بالشوق إليها حتى الآن.

خطر الذكريات

ولكن مع الأسف يأتي كل جمال مغلف بمسحة من الشجن؛ فقد تكون بعض الذكريات مؤلمة تُثير مشاعر الحزن أو الخوف والرهبة، وتُعيد إلى الأذهان لحظات الفقد، وعندما تستحوذ تلك الذكريات المؤلمة على أفكارنا؛ فإنها يُمكن أن تتحول إلى عبء نفسي ثقيل.

أتذكرُ بوضوح تلك الليلة، ليلة وفاة عمتي الحبيبة. عندها شعرتُ وكأن العالم قد انقلب رأسًا على عقب. كانت عمتي بمنزلة الأم الروحية والركن الآمن الحنون، والملاذ الذي دائمًا يُقدِّم لي الدعم والتشجيع. فقدانها ترك فراغًا كبيرًا في حياتي وفراغًا في روحي، فقد كانت أول تجربة فقد حقيقية أمر بها في سن صغير.

دروس من الذكريات

على الرغم من كل ما سبق، ما زال يمكن أن نرى في الذكريات فرصة للتأمل والتقدم والشعور بالعرفان...

فعندما نتوقف لحظة لنفكر في تلك اللحظات التي عايشناها، نجد كم نحمل بداخلنا من قدرة على تحويل الألم إلى قوة، فلقد تعلمتُ شخصيًّا كثيرًا من تجربتي مع الذكريات، فعندما كان يُداهمني قطار الذكريات وأنا جالسة في شقة جدي وجدتي، "شقة تريومف"، كما اعتدنا أن نسميها، شعرت بالوحدة واليأس.

لكن مع مرور العمر والخبرات وكثير من الوقت، بدأتُ أتعلم كيف أتعامل مع الذكريات المحفوفة بكثير من الألم..

فكتبتُ عن مشاعري، وتحدثتُ إلى من يشبهني من أصدقائي ويعض أفراد عائلتي. ووجدتُ أن التعبير عن مشاعري ساعدني في الاندماج على الحزن، وهذا الحنين الملاصق للذكريات.

التعامل مع الذكريات

من الضروري أن نتعلم كيف ندير ذكرياتنا، سواء كانت جميلة أم مؤلمة، ومن الممكن أن يكون الحديث عنها مع شخص موثوق أو معالج نفسي خطوة مهمة نحو الراحة والشفاء؛ لأننا حينما نعبر عن مشاعرنا، نبدأ في فك ارتباطنا بالذكريات السلبية، ونعيد صياغتها بطريقة تساعدنا على التعافي.

وفي اعتقادي أن الجميع يحتاج إلى شخص يمكنه التحدث إليه بصراحة وأمان دون أي شعور بالقلق. ومن تجربتي حينما كنتُ أواجه صعوبات في التعامل مع فقداني لأحبائي، كنتُ أجد الراحة في التحدث إلى صديقتي المقربة لأنها كانت تستمع إليَّ بانتباه، وتُقدِّم لي الدعم الذي كنت أحتاج إليه.

وفي النهاية، يجب أن نتقبل واقع أننا لا يمكننا الهروب من حقيقة أن الذكريات جزء لا يتجزأ من وجودنا، تحمل في طياتها كنوزًا من الجمال، لكنها أيضًا تحمل ظلام، فيجب أن نتعامل معه بحذر، ويكون ذلك بفهمنا العميق لطبيعة الذكريات، وكيف يمكننا بقدر من الوعي استخدامها وسيلة للنمو والتطور، بدلًا من أن تكون عقبة في طريقنا.

فالذكريات هذه اللوحة التي تمثل حياتنا، وهي خريطة الطريق لغياهب نفوسنا، فيها تتداخل الألوان الزاهية مع الظلال الداكنة لتصنعنا في كل لحظة سواء في الفرح أو الحزن، هي مصدر إلهام في حياتنا، هي نقوش تتشكل؛ لنجد أننا كلما نظرنا إلى الوراء، نجد أن الماضي هو جزء من رحلتنا نحو المستقبل.

فلنكن ممتنين للرحلة ولكل تجربة، ولكل عابر مرَّ بها أيًّا كان أثره؛ لأن الحياة بكل ما فيها هي نعمة وهدية تستحق الرضا والتقدير.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة