إنهُ المنتصف الباهت.. الخيط الرفيع الذي يفصلُ بين منبع الاهتمام وسجن الإهمال، بين الألفةِ والاحتواء وبين البلادةِ والجفاء.
فعندما تتفتت تلك الشعرة الضئيلة بفعل سكين الأيام، تنقطع معها الكثير من الأشياء الجميلة التي وعدنا أنفسنا ببقائها لتؤنس وحدتنا طوال العمر، لكننا أصبحنا الآن في مصب الخطر.. في موقعٍ غير آمن، ما عاد هنالك تلك الأريحية والضحكات العفوية، يوجد بيننا شيء ناقص من صورةٍ كنا نُبصرها في كامل زينتها دوماً، لكن الصورة الكبيرة تكون خادعة وأكثر مكراً من التفاصيل المُعقدة.. المُخبأة بين بدايةٍ فائقة الجمال.. لم يعُد سبيلاً لاستنشاق عبقها الآسر بعد اليوم.
كم البدايات فاتنة.. الردود الشغوفة، والأسئلة الفضولية، الكلمات المعسولة التي تقتحم القلب بلا طلب الإذن.. تكون مُغلفةً بالحب والطمأنينة، تكون أجمل خطوةٍ نخطوها في رحلةٍ طويلة أوهمنا أنفسنا السير بها.. بالرغم من عدم وجود ما يؤكد ذلك.. لكننا آمنا، بالرغم من كونها درب من سراب.. هاوية سحيقة تستتر خلف شمسٍ مشرقة تدعونا كُل ليلةٍ فيها يزداد الود.. للمسها بأيدينا دون خوف، وبمغيب تلك الشمس بحلول المساء الحالك.. تنتهي معها البداية.
البداية الأخاذة التي تجعلنا نبتسم ونزهو وكأن الليل لم يحل علينا أبداً.. ولن يحل بعد اليوم، فبعد أن تأخر الليل دقائق اعتقدنا أنه لن يُقبل، وأن الصُبح قائم تتخلله تلك المشاعر الجميلة التي بتنا نصبو إليها بعد أن تجمدت كافة أحاسيسنا بحُكمٍ من السنين، وقد كُنا قبل ذلك نزجر أفئدتنا في سجنٍ غارق في الظلام مُلتحف بذكرياتٍ أجبرناهُ على الالتحاف بها لتجنب برد الليل.. بالرغم من أن مع تخليه عنها.. قد يشعر بالدفء المفقود.
لكنهُ عهدٌ كاذب.. عكس طبيعتنا الصادقة التي تغلبت عليها الأيام ونُثرت معها كضوء القمر الرقيق الذي يتسلل في عتمتنا ونستقبلهُ بالتهليل والترحاب.. بين حقائب الزمن الرحيبة، هنا.. نستقبل بداية مُخالفة لتلك البداية الرائعة التي عشناها بكافة تفاصيلها.. نكتشف أننا لم نكن سوى أشخاصاً تعثروا بهم عندما كانوا في حاجةٍ ماسة لقليلٍ من الاهتمام، وأن كُل تلك المشاعر التي رأتها قلوبنا دون أعيننا.. صادقة، لم تكن كذلك، فمن يريد البقاء سيبقى مهما حالت الحياة بينه وبين ذلك.. فالمرء إن رغب في شيءٍ لأقام من أجلهِ حرباً.
وقد نكون قد زينا لأنفسنا حقيقة لا حصة لها من الواقع، لقد ظننا أننا وأخيراً.. سنحيا حكاية جديدة.. نقيض كُل تلك القصص الجازعة التي هشمت بداخلنا صفات جميلة.. كنا نود أن نظل حاملين لها، لكن تلك الحكاية لم تكن مدونة بكافة الأبطال الذين اعتقدنا أنهم سيكونون جزءًا منها، بل نحن فقط من أتممناها.. هم لم يكونوا سوى شخصياتٍ ثانوية، ظهروا في أولى ورقاتها.. ثم اختفوا مع أول دمعة هبطت على ورقةٍ عاصفة، والباقين إلى الأبد.. نحن والذكريات التي منحوها لنا.
الذكريات التي أملنا أن تكون وقوداً لأرواحنا التي ملت الوحدة.. لكنها لم تكن إلا جروحاً عميقة.. توثَّق بجوار الجروح القديمة التي لم تلتئم بعد وما زالت تُقطر دماً.
لقد توصلنا لتلك الحقيقة بعد مرور الكثير.. بعد أن صنعنا مواقف كثيرة وأصبحت بيننا كلماتٍ مُشتركة وأحلاماً مُشتركة ودموعاً مُشتركة، فمن يُعيد لنا الليالي ويحذف الذكرى من رؤوسنا.. بعد أن أصبحت بُرهاناً لنا نراهُ كل يوم.. ليُصرح بكوننا أخطأنا للمرة الثانية.. وخسرنا أيضاً للمرة الثانية.
اقرأ أيضاً
- خطوات معرفة تحديد الأبيات الشعرية.. تعرف عليهم الآن
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.