خاطرة "أصبحتُ قاتلة".. خواطر وجدانية

في إحدى ليالي الصيف الحارَّة أحببتُ الجلوس على شرفة منزلي أشاهدُ الناس وهم يتسوقون والأطفال يلعبون.

وأنظر إلى شرفات من حولي أراهم مجتمعين معاً يضحكون، ومنهم يغنون ومنهم يأكلون معاً.. وأنا جالسة وحدي ممسكة فنجان قهوتي الصباحي وأمامي فطوري ولا أحد معي.. لوحدي.

لطالما أردتُ أن أجلس مع من أحب على نفس الطاولة نتناول طعامنا معاً.. نضحك... نبكي سوياً ولكن لا يوجد في منزلي سوى الأثاث وصور قديمة وآلة موسيقى معطلة ومدفأة باردة وكئيبة..

أحاول جاهدة أن أبدو بكامل قوَّتي وروعتي وسعادتي، ولكنني من الداخل أتقطَّع إلى أشلاء وأشلاء.

أبكي ولا أحد يسمع صراخي وبكائي... فعندما أدخل المنزل من الشرفة وأغلق الباب خلفي أصبح أحداً آخر غير التي كانت خارجاً وكأنني إنسانة بدون قلب فقد تقطعت أوصالها وباتت وحيدة في هذا العالم الممل البائس والحزين...

أصبحتُ أُفضِّل موسيقى الموت والحزن والقهوة المرة واللون الأسود في لباسي وأثاثي... فبتُ فتاة عاجزة عن الضحك من الداخل والخارج.. فبدأتُ أحسد من حولي... لماذا هم معاً؟ لماذا يحبون بعضهم البعض؟

ودون أن أشعر أصبحتُ فتاة تعشق الموت للآخرين لكل شخص سعيد... لكل شخص مع عائلته... لكل من يحب... لكل من له أصدقاء وأحباء... كرهتهم... كرهتُ ضحكاتهم وأصواتهم التي يملؤها الحب والسعادة... 

وفي يوم من الأيام خرجت إلى شرفتي كعادتي أحمل فنجان قهوتي... أرتدي ملابس سوداء، وكرسي أسود وموسيقى ممزوجة بالحزن والموت والتعاسة، ورفعتُ صوت الموسيقى عالياً أجل أريدهم أن يسمعوا.. أريدهم أن يشعروا بما في داخلي من حزن... ههههه... هذا ما سمعته ضحكاتهم.... 

صدمت لمّا رأيت وما سمعت... نظروا إليَّ جميعاً نظرة استخفاف وقرف... غضبت جداً منهم، كرهتهم أكثر وتمنيت موتهم جميعاً، كسرتُ فنجاني بغضب ودخلت المنزل وأنا أتمتم عليهم كلام بشع، فلتموتوا، فلتموتوا جميعاً.

جلست على الكرسي وأنا غاضبة أفكر بما سأفعله بهم، فكنت أتمنى موتهم في كل ساعة ودقيقة وثانية، غفوتُ وأنا أتمتم هذه الكلمات موتوا... موتوا... موتوا جميعاً...

وفي صباح اليوم التالي سمعتُ صراخاً عالياً يأتي من الخارج ركضت مسرعة إلى الشرفة فرأيت إحدى النساء تبكي وتصرخ وتلطم نفسها؛ تعرَّض زوجها وابنها لحادث كبير وماتا في ذلك الحادث.

ودون أن أشعر ضحكت وقلبي يرقص فرحاً، فبدأت أشعر وكأن لعنتي وقعت عليهم... فلم يحبوني قط... لم يشعر أحد بوجودي، لم يكلمني أحد، ابتعدوا عني دون معرفتي السبب، فتمنيت موتهم جميعاً.

وبعد مدة قصيرة ماتت سيدة في الحي بمرض مفاجئ، وبعدها بمدة وقعت طفلة عن شرفة منزلها وماتت وبدأوا يسقطون شيئاً فشيئاً كأوراق الأشجار في فصل الخريف، فأصبح الحي بأكمله كمنزلي يملؤه السواد والحزن... كئيب... تعيس... 

لم أعُد أسمع بعدها صوت ضحكات ولا موسيقا فرحة... لم أعُد أسمع إلا صوت الحزن والبكاء... ولكن هل هذا ما كنت أريده حقاً؟ شعرتُ وكأن قلبي طعن بخنجر كبير وبدأت أبكي... ماذا فعلت؟ هل أنا السبب؟ أصبحتُ قاتلة دون أن أشعر! صرخت عالياً... أرجوووكم سامحوني... عودوووا جميعاً... 

فلتعُد الضحكة أرجوكم كنتُ أتألم لوحدي ولكن هذا الألم أشد من الألم الذي كنت أشعر به سابقاً، أنا أرجوكم أن تعودوا، أنا من قتلتهم جميعاً، لا أريد أن أكون قاتلة، كنتُ أريد فقط محبتهم، أريدهم معي فقط.

صحيح كانوا بعيدين وضحكاتهم بعيدة جداً ولكن كنت أشعر بسعادة خفيفة ولم أكن أشعر بهذا الألم القوي في صدري في قلبي، دموعي توقفي.. 

أرجوكم سامحوا هذه الغافلة عمَّا كانت تتمتم به، عمَّا كانت تتمناه، كيف تمنيت موتهم! لماذا أنا بهذا الحمق!

آآآآه ألمي يزداد يوماً بعد يوم... سامحوني قتلتكم دون وعي مني.. بلحظة غضب وكره تمنيتُ موتكم، تمنيتُ الحي أن يغوص بالسواد كمنزلي، فلتعد الضحكة... فليعد الحي مُزهراً، ضاحكاً... غناءً... أنا قاتلة... فقد أصبحت قاتلة...

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة