في مشهد مأساوي عند عودتي من العمل، أرى الشارع الذي أسكن فيه يتم انتزاع أشجاره.. ليس الشارع الأول الذي يحدث فيه هذا في مدينتي الفاضلة ولا حتى المدينة الأولى في بلدي العريق.
أنا من سكان مدينة عريقة لديها مئات الآلاف من المآذن، وكذلك الأشجار أمام كل مسجد وكل دار وبداخل فناء المدارس والحرم الجامعي..
تعود ذاكرتي إلى الطفولة وإلى أشجار التوت التي كانت تتدلى على المارة من داخل البيوت والمدارس وإلى أشجار الليمون والمانجو التي كانت تفرض وجودها في الشوارع على رغم أننا في العاصمة لا في مدينة زراعية.
اختفت كل هذا الأشجار بطريقة غير مفهومة واختفت مرحلة الطفولة لأركز في شبابي على بهجة الألوان وعلى الظل الذي نحتاجه وكفتاة محبة للطبيعة، كنتُ أشعر بالارتياح بالنظر إلى الأشجار وبتراقص الفروع والأوراق مع نسمات الهواء وبموسيقا الحركات التي لا يتدخل الإنسان في عزفها وبزقزقة العصافير التي تتخذها موطنا أو خان استراحة.
أتأمل نعمة الله فيها، وكيف تكون لنا ظلًّا في صيف حار في عالم أصبح يشكو من قسوة المناخ.. أتأمل وقوف المتعبين من كد الحياة اليومية ومعاناة الروتين ليستريحوا قليلًا تحت ظلالها.. أتأمل أنها ملاذ بعض محبي الخير فيضعون أوانٍ فخارية أو بلاستيكية بها ماء أو طعام يلجأ إليها حيوانات الشوارع.
وأتأمل وقوفها الطويل ففي بعض الأحياء تنتصب أشجار لأكثر من مئة عام مر عليها أجيال وأحداث وملوك ورؤساء..
أسير في شوارع مدينتي فأرى اتساع ثقافتها في أشجارها التي جاءت من بلدان عدة.
فها هي أشجار البونسيانا والتي يعود أصلها إلى مدغشقر وعلى رغم المسافة الشاسعة بينها وبين مدينتي إلى أنها انسجمت مع تربتها وزينت سماءها بألوانها البرتقالية والحمراء.
أما شجرة التيكوما والتي يعود أصلها إلى أمريكا الاستوائية وجزر الهند فقد وجدت انسجاماً بين أزهارها الصفراء وشمس مدينتي الساطعة ونموها السريع، الذي يتناسب مع نمو سكان مدينتي السريع.
أما شجرتي المفضلة..(شجرة الجهنمية) والتي تمتاز بأكثر الألوان بهجة الوردي والأرجواني أتتنا من أمريكا الجنوبية لتجلب إلى أنظارنا السرور..
وشجرة الجاكرندنا التي لا تقل بهجة عن سابقتها تظللنا بأزهار بنفسجية وعلى رغم قدومها من البرازيل والمسافة البعيدة إلا أنها لم تقصر في خدمتنا بألوانها..
وشجر الكاتلبا بأزهارها البيضاء لتذكرك بالجليد في الصيف..
وغيرهم من أشجار الظل التي لا أحصيها لأني لست دارسة ولا عالمة نباتات بل محبة فقط للطبيعة التي حولي..
فهل عرفت مدينتي؟ ربما... ولكن أنا وأنت مشتركون في أننا لا نعلم لماذا تنزع أشجارها!
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.