..خارج نطاق الزمن.. الجزء الثالث

المحاولة الأخيرة

 "حبيبتي"

نحن حريصون بشأن الشيء الأخير، لأننا لا نعلم ماذا سنفعل بعده، لطالما أخطئنا بحق آباءنا وطلبنا منهم فرصة أخيرة، وكأن بعد تلك الفرصة سيتغير العالم، وكأن الحل بتلك الفرصة وليس بنا نحن المخطئون.

           ************

2 - 4  -2008 

التحقت بالجامعة العام السابق بعدما نجحت بالمادتين اللتين رسبت بهما

ورماني حظي بكلية لم أحب الدراسة بها ومرت سنتي الأولى بها وأنا ناجح بالكاد، ولكن ظننت أن الحظ نظر لي، أو اكتشف اني موجود هنا حينما جاءت "نور" وقد كانت نور، فتاة توفى والديها وانتقلت للعيش مع خالها، فالتحقت بجامعتي، كانت هادئة، رقيقة، متوترة، كثيرا ما تُرجع خصلاتها السوداء خلف أذنها، كانت عكس الفتيات التي رأيتها هنا، تأتي كل يوم قبل بدء المحاضرة بخمس دقائق، وتجلس بالمقعد الثاني، تستمع بتركيز إلى المحاضرة وتدون ملاحظات كثيرة، كثيرًا ما كانوا ينعتونها بالكئيبة المعقدة، ولم يكن لها صداقات، كانت تجلس وحيدة في فترات الانتظار بين المحاضرات، ولكني كنت أراها بشكل مختلف، حضورها كان يُربكني، قلبي لا يستطع التحكم في نبضاته حينما أراها، وبعد عدد لم أستطع حصره من المحاولات ذهبت لأحدثها.

اهتممت بمظهري لأقصى درجة هذا اليوم، ووضعت عطري المفضل، مرت المحاضرة الأولى عليّ كدهر وليس ساعتين، وحان الوقت.....

الجميع يخرج لشراء الطعام بينما هي ظلت جالسة، فبقيتُ حتى خرج جميع الطلاب، وذهبت لأجلس بجانبها، لم تُبدِ أي ردة فعل، فبدأتُ بالكلام:

-أراكي تجلسين وحيدة، ثم تابعت بتسائل: 

- لِمَ لم تذهبي معهن؟

لم تجبني، فالتجأت لخطتي الثانية، وفتحت أمامها أحد الكتب التي ندرس منها وطلبت منها أن تشرح لي أحد أجزائه وفعلت، وانتهزت تلك الفرصة وكل يوم أذهب إليها لتشرح لي أحد الأجزاء من المنهج، مرت الأيام وصرنا أصدقاء، ولم يعد الحديث بيننا عن الدراسة وحسب، بل علمت كل شيء عنها، نور تعاني من فقدان الثقة بنفسها، لم يكن لديها أخوات ولم تستطع تكوين أصدقاء، ولهذا كنت أنا بالنسبة إليها كل شيء، وهذا سرني كثيرا.

في الحقيقة كنت أنوي بعدما نتخرج أن أتقدم لخطبتها، لم تكن صداقتي لها غدر بها أو ما شابه، أنا أحببتها حقا، ولكن المشكلة أتت من شخصيتي المتهورة، فكنت قبل أن تأتي نور أرافق الفتيات وأتسكع معهن ولم أكن مهتما بدراستي ولا بأي شيء، عكس الآن فقد قطعت أي تواصل بيني وبينهن وصرت أذاكر بجد لأتخرج بتقدير عالي لتوافق بي نور، ولكن 

هؤلاء الفتيات لم يقطعن صلتهن بي، إذ أتت إحداهن لنور وأخبرتها بشخصيتي السيئة وكيف كنت ولم تمانع في إضافة المزيد، وأتت إحداهن في مرة كنت أجلس مع نور لتجذبني من يدي وتتدلل عليّ وكأننا عاشقين، وقتها نظرت لي نور نظرة شقت قلبي، رأيت دموعها الحبيسة قبل أن تفرمن أمامنا، وعلمت بعدها أن إحدى تلك الفتيات أخبرتها أنني أتسلى بها ولكنها لم تصدقها، لقد كسرت قلبها بعد أن رأت بعينيها.

ولكن..........

تلك المرة لن أترك أذنها لهن، سأخبرها أنا بكل شيء، وسأخبرها كم أحببتها، وأنها ليست مثلهن ولا ينبغي أن تكون.

رأيتها واقفة أمامي ودموعها حبيسة في عينيها بعدما أخبرتها الفتاة، ركضت لأمسك بها وأخبرها ألا تصدقهن ولكنني لم أستطع كانت يدي كسراب، كدت أصرخ لتسمعني ولكن تشنج جسدي بصدمة حينما سمعتها تهمس قبل أن ترحل:

- أنا أكرهك أسامة، أنا أكرهك.

حينما حدث هذا في الماضي لم أسمعها ولما ركضت خلفها لم أجدها ولم تأتي هي الجامعة بعدها، ورحلت كما رحل كل شيء.

انطفأت الشريحة الأخيرة ولا أعلم ماذا سيحدث لي، تسارعت نبضات قلبي بخوف من أن أظل حبيس الماضي، وفجأة أظلم المكان ورجفة قوية ضربت الأرض ثم ظهرت البوابة التي تنقلني وابتلعتني بداخلها.

      ****************

سقطت أرضا، وضعت يدي على ظهري متألما، ثم انتفضت من البرودة التي جمدت أطرافي، أخذت أتطلع حولي لأجد المكان  يكسوه الجليد ولم تكن الرؤية جيدة بسبب الظلام الذي يحتضن المكان، ضممت نفسي لأخفف من ارتجافي قليلا، ومن سوء حظي أنني لا أرتدي سوى قميص صيفي وأن أتيت إلى هذا المكان ليلا، حاولت السير لعلي أجد أي مخرج من هنا ولكن لا شيء سوى السكون، ولما فقدت قدرتي على تحمل هذا الجليد ظهرت البوابة وقذفتني في مكان آخر.

        **************

انتفضت إثر الحرارة التي لسعت جسدي، وضعت يديّ على عيني 

لأحجب عنهما ضوء الشمس الحارق، لم تتحمل قدمي الوقوف بسبب الحرارة المتسربة إليهما على الرغم من ارتدائي لحذائي، جف حلقي، وبلغ العرق مني مبلغه، وشعرت أن الشمس تدنو مني، حاولت الركض لأهرب من تأثيرها ولكن خارت قوتي وسقطت أرضا، كانت عيني تنغلق دون إرادة مني، فتحتها فزعا عندما رأيت أفعى ضخمة تقترب مني، حاولت تحريك جسدي لأبعد عنها ولكنني لم أستطع، فتحت فمها وعينيها تنظران إلي بشر، و.......

-أسااااااامة.

         **************

انتفضت من مكاني لأجد نفسي جالسا على أحد كراسي غرفتي، أخذت أتطلع للمكان حولي بصدمة وصدري يعلو ويهبط، انتبهت لها تسألني بقلق:

- أسامة، هل أنت بخير؟

نظرت لها فوجدتها نور، نهضت مكاني أمسك بذراعيها لأتأكد أنها هنا حقا وسألتها بلهفة:

- نور، أنتِ هنا حقا؟

عقدت حاجبيها وأجابتني بحيرة بدت على وجهها:

- نعم حبيبي أنا هنا، ماذا بك؟ ثم استطردت وهي تضيق عينيها:

- أرجعت تقرأ من تلك القصص مرة أخرى يا دكتور؟

فاتسعت عيناي بصدمة:

- دكتور؟

ابتعدت عني تهز رأسها بيأس وهي تقول:

- بدل ملابسك أسامة، واستحم لعلك تفيق، على ما يبدو أن العمليات التي تجريها لمرضاك أثرت على عقلك زوجي، ثم تابعت وهي تغادر الغرفة:

-سيأتي والديك إلينا بعد قليل.

 - والديّ؟

مسحت على رأسي وعيناي تتفقدان أركان الغرفة، لا أصدق أن ما كنت به لم يكن سوى حلم، والديّ لم يموتا، أنا طبيب حقا، ونور زوجتي.

توقفت عيني على مكتبتي التي تضم مئات الكتب وقصص المغامرات التي أنا مولع بها، ابتسمت وانا اتحسسهم بيدي، ولكن عقلي ذهب إلى آخر حديث مع صديقي أحمد الطبيب النفسي.

- تمسكنا بالماضي و ما حدث فيه واسترجاعنا له لن يغنينا، بل هو أشبه

 بالعودة إلى الماضي عبر بوابة زمنية ولكننا لن نستطع أن نقوم بأي تغير.

             تمت بحمد الله

بقلم الكاتب


ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شاركه مع الأصدقاء على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

Fatma Abd Alla - Sep 16, 2020 - أضف ردا

رائع أستاذ أحمد
بانتظارك في اعمال اخرى

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

..بسم الله والحمد لله..ان شاء الله بارك الله بك..

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب