حين ينقطع الحبل السري

«أمي كما رأيتها صغيرًا.. وكما أفهمها الآن» عندما نكون أطفالًا، نرى أمهاتنا على أنهن كائنات خارقة. نصدق أنهن يعرفن كل شيء، لا يخطئن أبدًا، يحميننا من العالم، ويملكن الحب غير المشروط. الأم في الطفولة هي الحضن، والصوت، والطعام، والدواء، والأمان.

لكن حين نكبر، يبدأ شيء في وعينا يتغير. نبدأ في رؤية «الإنسانة» خلف كلمة «أمي». نكتشف أنها لم تكن دائمًا تعرف، وأنها أخطأت أحيانًا بدافع الخوف، لا الإهمال. نراها تخاف مثلنا وتعجز أحيانًا أمام الحياة، ونفهم أنها لم تكن بطلة خارقة، بل امرأة اختارت أن تتحمل أكثر مما تحتمل، وأنها كانت تكتم العجز والخوف أمامنا.

في الطفولة، كنا نطالبها بالكمال دون أن نشعر. وفي الكبر، نبدأ بالشعور بالذنب على هذا التوقع الظالم.

الفرق بيننا كأطفال وكبار، هو أن الطفولة ترى «الحب»، في حين يفهم الكبر «الإنسان».

وحين نفهم، يبدأ نوع جديد من الحب في التكوُّن… حب أقل اندفاعًا، لكنه أعمق. حب يرى الضعف، ويتقبله.

«حين كبرنا…»

كنا ونحن صغار نعتقد أن «أمي» لا تخطئ.

كنا نظن أنها تعرف كل شيء، وتفعل كل شيء بالشكل الصحيح، وأن رأيها هو الحقيقة الكاملة، دون نقاش.

لكن حين كبرنا، تغيّر كل شيء.

بدأنا نكتشف أن أمّنا إنسانة… مثلنا تمامًا.

تتعب، وتخطئ، وتقلق، وربما تخاف.

بدأنا نفهم أن بعض ما كانت تفعله لم يكن دائمًا صحيحًا، وأن أفكارنا اليوم قد تكون أوسع من أفكارها.

أن الزمن تغيّر، وأننا لم نعد نسير على نفس الخط، ولكن هذا لا يقلل من حبنا لها، بل يزيده نضجًا.

أن تدرك أن أمك ليست مثالية، لا يعني أنك تُنكر فضلها، بل يعني أنك بدأت تراها حقًا: تراها بعينيّ الشخص الناضج، لا الطفل المعتمد.

تراها إنسانة، تحاول، وتصيب وتخطئ، وتخاف عليك حتى حين تُخطئ في التعبير عن ذلك.

من الممكن أن نحكم على الأمور بطريقة أفضل منها، ومن الممكن أن نرى الأشخاص بصورة أنضج منها، وأنها ليست على حق في كل شيء.

وهنا يبدأ نوع مختلف من العلاقة: ليس فيها توقُّع للكمال، بل مساحة للفهم، والغفران، والحب الهادئ.

«حين ينقطع الحبل السري من جديد…»

حين كبرنا، صار لنا اتجاهاتنا.

أفكارنا بدأت تنفصل عنها، أحلامنا لم تعد تشبه أحلامها، وطرقنا في الحياة أخذتنا بعيدًا عنها أحيانًا.

صرنا نرى العالم بأعين مختلفة، ونفهم الناس والمواقف بطرق لا تشبه طريقتها.

صرنا نرفض أحيانًا ما كانت تراه «الصواب»، ونُصر على ما نراه نحن «الأنسب».

وهذا لا يعني أننا سيئون، ولا أنها مخطئة.

بل يعني فقط أن الحبل السري الذي كان يربطنا بها، لم يعد كما كان.

انقطع من جديد… لكن هذه المرة ليس من الجسد، بل من أفكارنا.

نحن لم نعد نسير خلفها كما كنا صغارًا، نبحث الآن عن طريقنا وحدنا.

لكننا، على الرغم من كل شيء، نحملها بداخلنا.

في صوت ضميرنا، في اختياراتنا الصغيرة، في القلق الذي ورثناه منها، في الحنان الذي علمتنا إياه.

الاستقلال عنها لا يعني الجفاء، والاختلاف لا يعني القطيعة.

بل هو مجرد انتقال… من التبعية إلى الوعي، من الطفولة إلى النضج، من الحماية إلى الحوار.

وهكذا، تتغير الأم في أعيننا.

تتحول من رمز للكمال… إلى إنسانة نحبها على الرغْم من كل شيء.

ومن مرجع لكل شيء… إلى شخص نختلف معه أحيانًا، ونتفق أحيانًا، لكننا لا نتوقف أبدًا عن حبّه.

خاتمة: «إلى كل أم… اتركي لطفلك المجال ليُصبح شخصًا كاملًا»

إلى كل أم…

نحن نحبك، ونحمل لك من التقدير ما لا يمكن للكلمات أن تصفه، لكننا نحتاج أن نكون نحن.

نحتاج أن نُخطئ، ونتعلم، ونفكر بطريقتنا، ونعيش حياتنا كما نراها نحن، لا كما رسمتِها لنا.

ليس كل ما نختلف فيه معك يعني أننا فقدنا الحب أو البر. بل العكس، الحب الحقيقي يبدأ حين نُصبح أحرارًا في التعبير، وحين تُنصت قلوبنا لبعض دون خوف أو سيطرة.

أنتِ ربطنا بكِ الحياة ذات يوم بحبلٍ سري، لكن هذا الحبل لم يُخلق ليبقى إلى الأبد، بل ليوصلنا بكِ أول الطريق… ثم يتركنا نُكمل بأنفسنا.

حين تُصرين على أن تظلّي ممسكة بالحبل، خوفًا أو حبًا، فأنتِ دون أن تقصدي تمنعيننا من التشكُّل، من أن نعرف أنفسنا، ومن أن نقف بثبات في هذه الحياة.

اتركيني أنضج يا أمي.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.