في عالم الشعر النثري، هناك لحظات يُصبح فيها الحنين ليس شعورًا عابرًا فحسب، بل هوية كاملة للذات، يروي هذا النص قصة حب غارق في الغياب، وشوق يحاول التجديف في بحر الخذلان، تسكن القصيدة بين أصداء الطيف والذكرى، بين نبض القلب المعلَّق في عيون من رحلت، وصدى الصمت الذي يحاور الخيال. إنها مرثية وجدانية لحبيب لا يعود، واعتراف عاطفي مكتمل لواقع لا يُحتمل.
اسقي حقول عيوني برؤياك
ولو ما طالت رؤياك ثواني
واسقي عروقي الظامئة
بكلمة منك تهز أشجاني
تسكن ألوان البحر في عيناكِ
وفي عيوني أنتِ جميع ألواني
ما كنت من يدخل الشوق قلبه قبلك
وبعدك شعور الشوق أضناني
جرى الشوق مع دمي ليروي شعور بستاني
من حبك صرخ الأبكم متيمًا
والحب نار تشعل رماد بركاني
لا صبر للقلب في هجرك
ولا ينتظم بوصلك نبض شرياني
لازمني طيفك في يقظتي
وفي منامي لازم حنانك حناني
يا امرأة سلبت فكري كيائس
سُلب أحلى الأماني
أكتبك عمرًا على لوح قدري
لكن كان لكف القدر رأي ثاني
تمحو ما كتبت أمامي عيني
وتصفعني بخيبات الخذلانِ
وأغفو على حلمٍ بلا مأوى
كأني حكاية عابرٍ نسي العنوان
أبحث عن دفءٍ بصوتكِ
في زمنٍ خان فيه الدفءُ لُغتي ولساني
أرتقُ وجعي من غيابك
بأملٍ مكسورٍ كحطام سفينةٍ بلا مرسى أو مواني
أعيد رسم طيفكِ فوق جدران صبري
فتنهمر الدموع كغيمٍ عصيٍّ على الجاني
يا زهرةً نبتت في صخر عمري
ثم ذبلتْ قبل أن تلامس أغصاني
ما عدتُ أقوى على اجترار الذكرى
ولا على الصمت حين يطغى على وجداني
علَّ الحنين يخونني ذات سهوٍ
ويعتق القلب من أسر الهوانِ
أو لعلَّكِ تعودين فجأةً
وتنبتين سلامًا في جنون أحزاني
أضعتك بين سطور الليالي
وكل ليلٍ يعيدك على الرغْم من النسيانِ
يمر طيفك كنسمة صيفٍ
تداعب رمادي وتوقد نيراني
رأيتكِ بين ارتجاف الحروف
وفي رعشة الحبر فوق ديواني
كأنكِ قدرٌ لا يُطاوَع
كأنكِ حكمُ الحنينِ بأوثق سلطاني
سألتُ الغياب: أما من رجوع؟
فقال: الرجوعُ وهمُ الحيرانِ
فعدتُ أضمُّ صداكِ بصمتي
كمن يحتضن ظلَّه في الطوفانِ
فيا مَن كتبتكِ نبضًا وعمرًا
وخبأتكِ خلف جدران وجداني
أما آن لِهمسكِ أن يستفيق؟
أما آن لحبكِ أن يُبْرئَ كياني؟
أما آن للقلب أن يستريح؟
أما آن أن تنجلي الأحزان؟
ففي كل دربٍ رسمتُكِ حلمًا
يضيء الليالي ويُنعشُ وجداني
تعبت المسافات من طول شوقي
وملَّت خُطايَ صدى الحرمانِ
ولكنِّي أؤمن أن الرجوع
كالفجر يأتي ولو بعد نيرانِ
سأزرع من ذكرياتك وردًا
وأنتظر الضوء خلف الدخانِ
فما ضاع عشقٌ تنفَّس صدقًا
ولا خاب قلبٌ دعاه الإيمانِ
فعودي إليَّ كغيثٍ شفيف
يلامس روحي ويغسل أحزاني
تعاليْ نعيد الحكاية نَغمةً
تغنِّي بها خُطانا في الأزمانِ
تعاليْ فقد ضاق صدري هواكِ
كما ضاق صدرُ المدى للثواني
تعاليْ ففيك انبعاثُ الحياةِ
وفي غيـركِ العمرُ مرٌّ وجاني
كتبتكِ نبضًا على كل وجهي
فكل العيون ترى فيكِ أشجاني
إذا مرَّ طيفكِ هزَّ الجدار
وأورق رمادي، وصار أغاني
وفي الليل، حين يغيب السكون
تجيئين همسًا كعطرٍ فاني
فأفتح أبواب قلبي إليكِ
كأني مدينة عشقٍ تعاني
أحبكِ... هل بعد هذا يُقال؟
وهل بعد هذا البيان بيانِ؟
فأنتِ البداية، وفيكِ انتهائي
وما بين قلبي وعينيكِ، كِياني
رحلتِ، وفي القلبِ نارٌ تلظَّى
كأنكِ كنتِ دمي في شرياني
تركتِ الفراغَ يُمزِّق روحي
ويسرق من ضوء عمري أماني
أنا بعد عينيكِ طفلٌ يتيمٌ
تدلَّى على الوجعِ البُكُرَانِ
أمرُّ على ضحكتكِ في الصور
فأبكي كأن البكا عنواني
تساقطتِ من لحظ عمري كقطرة
وغرَّقتِ قلبي بكل المعاني
فصوتكِ صمتٌ، وذكراكِ خنجر
يُرتل وجعي بصوت الأغاني
أكان وداعكِ قدرًا جليًا؟
أم اجتهادًا من انكسار الزمانِ؟
فلا الليل عاد رفيق السكون
ولا الفجر زار نوافذ بيتي الحاني
أُحادثُ ظلكِ في كل ركنٍ
كأنكِ ما زلتِ طيفَ الأمانِ
أمرُّ على كرسيكِ الخالي
كأنّكِ تنهضين من النسيانِ
وفي فنجانِ الصباح، أراكِ
كوجهٍ بكى في سرِّ الأواني
يفيض بعينيكِ صمتٌ ثقيلٌ
كأن البُكا ذاب في الكلمات فاني
نسيتِ؟ ولكنَّ ذاكرتي نارٌ
تُدوِّن نبضكِ في الوجدان
أراكِ بعين الغياب اشتياقًا
وألمس بردَكِ في كفِّ حناني
أحنُّ حتى إلى صوتِ خُطاكِ
وأشتاق ضوءكِ فوق الجدرانِ
أصادق وحدتي، وهي تدري
بأنَّكِ لستِ، ولن تعودي مكانِي
فيا من غيبتِ الدفءَ عني
وأطفأتِ في داخلي نيراني
تركتِ الحياةَ تصير رمادًا
وغيَّبتِ نبضي عن الأزمانِ
فدعيني أعيشُ على طيفِ ذكراكِ
وأسقي اشتياقي سرابَ الهوى أنَّه قد رَواني
وما كنت أرجو بقاءً طويلًا
ولكن رجوتُكِ، ولو لثواني
فغيابكِ علَّمني كيف أبكي
وكيف أُضمِّد صمتَ الأغاني
على الرغم من مرارة الغياب وألم الذكرى، تظل هذه القصيدة مرآة صادقة لعاطفة لم تخبُ، ولإحساس لا يندثر. فالحب الحقيقي لا يحتاج إلى حضور جسدي كي يعيش، بل يكفي أن ينبض في السطور، ويتردد في الحنايا، ويُكتب على جدران القلب كلحن لا ينتهي. ولعل الأمل – ولو سرابًا – يبقى الأمل.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.