مثل أي فتاة في بلدي لدي قلب نابض بالحب، لكن ما تعوقني العادات والتقاليد البالية من غابر الزمن وقصتي تبدأ...
حينَ وقعَ في حُبّي أول مرة وضعَ رِسالةً على عتبةِ نافذتي كان فحواها: احزِمي أمتعتكِ، ستنتقلينَ إلى قلبي، رُبما قسراً..
لم أفهم مغزاهُ حينها، تلك الشجاعة أثارت استغرابي..
لوهلة ظننتهُ معتوهٌ ما، يُحاول مُمارسة أدوار البطولة والعبث بأعصابي ليسَ إلّا، خصوصاً أنني سبق وقد أخبرته بأن هذا الحب لا مستقبل له مهما حاربنا؛ لأن القبيلة التي كُنتُ أنتمي إليها لا تُزوِّج الفتاة إلا لأحدِ أبناء عمومتها، والزواج من خارجِ القبيلَة حنث بالوعد وعار لا يُغسَل إلا بالدم..
أحرقتُ الرسالة وأحرقتُ أملي معها، كُنت أدرك تماماً بأن هذا الحب خُلِقَ بلا هوية وسيموتُ بِلا هويّة فأنا أعرِفُ والدي جيداً، سيرفُض مرة وفي المرةِ التالية سينوبُ عَنهُ سيفُه..
بعد أيّام، جاء أحدُ إخوتي الصِغار رَكضاً إليّ وملامحه مشبعة بالخوف، أخبرني أن رجلاً ما من خارج القبيلة جاء إلى المجلس الذي كان موجودًا به والدي، وبلحظةٍ مجنونة جثا على رُكبتيهِ أمام الجميع قائلاً: عمّي لمرة واحِدة لا تُصدِّق العادات وتَفضَّل عليّ بابنتِك..
كُنتُ أقف في صدر السوق حينها وفجأةً ركضتُ لأصل إلى المنزِل وأواجِه مصيري من البهتان وربما الموت الذي سيستقبلني بسبب ذنبٍ لم أقُم به، لكن قبلَ أن أستوعِب الكارِثة التي حدثَت، حاوطتني الظَلمة هممتُ بالصُراخ لكن صوتي لم يكُن موجوداً..
لأستيقظ بعد عشرِ سنوات في مساءٍ شتويّ، ووَطنٍ آخر، وبذاكرةٍ أُخرى، وحياة مفعمة بالسلام، بخلاف الحياة التي جِئتُ مِنها
كان هناك أربعة أطفالٍ يتقافزونَ في حُضني..
تركتهم واتّجهتُ إلى الجسد الضخم الذي كان يَحجبُ ملامح المِدفأة، جلستُ على الكرسي الشاغِر الذي كان أمامه..
ما إن رآني حتى ألتفت ووضع يدهُ على ذقنِه كالعادة تلحّفَ ملامحي وغط في سُباتِ حب عميق..
نفسُ السرحان الذي رأيتهُ قبل عشرِ سنوات..
تقدم منهُ طفلنا "يزن" الذي كان يبلغ من العُمر ثماني سنوات قاطعاً شروده، قائلاً: بابا آسِر!
"هُمممم"
: أعِرني انتباهك هيا
انتقل ببصره إليهِ قائلاً: "ماذا تريدُ يا حبيبي"
: أجِب عن سؤالي.
"أيُّ سؤال"
: كيف تزوَّجتَ ماما؟
قال بضحكة وهو ينظُر إليّ: "خطفتُها يا صغيري"
نظر إليه يزن مشدوهاً وقال: ماذا! خطفتها!
هذا يعني بأنني عندما أكبُر سأخطِفُ زوجتي!
قلتُ بصوتٍ يمتزجُ بالسخط وأنا أتذكّر ما حدث في ذلك اليوم: نعم سيد آسِر أخبِرهم بماضيكَ الأسود، دعهم يصبحون قطّاعي طُرُق مثلك ويختطفون الناس..
انفجرَ ضاحِكاً وهو ينظُر إلى ملامحي التي تعتريها الدهشةُ والغضَب..
ثم تقدم مني واحتضنَ أصابعي وقال: "تعرفين أن ما حدث كان خارجاً عن الإرادة، كانوا سيحرمونني منكِ إلى الأبد فبادرتُ بهذه الخطوة أولاً، كُنتِ فرصة النجاة الوحيدة ولم يكُن بوسعي إضاعتكِ"..
ظهرت على طرف شفاهي ابتسامةُ نَصر عندما تذكّرتُ إصرارهُ الكبير عليّ، والذي جعل القبيلة كُلها تخضع في نهايةِ المطاف وتقوم بتزويجنا..
ثم أردف قائلاً وهو يلتفِت إلى أطفالنا الأربعة: لم يكُن اختطافاً بمعنى الكلمة، بإمكانكَ القول إنني استعدتُ شيئاً لي، كان قد وضعهُ القدَر في حوزةِ غيري..
لا تقعوا في الحُبِّ يا أصدِقاء،
لئلا تُصبحوا مشاغبين مثل والدكم.
اقرأ أيضاً
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.