حين تصبح التفاهة شهرة: أزمة الذائقة وصناعة النجومية الزائفة في المجتمع

في عصر المنصات الرقمية وتسارع المحتوى، أصبحت الشهرة السريعة ظاهرة تتجاوز حدود الموهبة والقيمة الحقيقية، حتى باتت بعض الشخصيات تحقق انتشارًا واسعًا اعتمادًا على الإثارة والجدل أكثر من الفكر والمعرفة.

ومع تصاعد تأثير السوشيال ميديا في تشكيل الذائقة العامة، برزت أزمة حقيقية تتعلق بتراجع المحتوى الهادف أمام سطوة التفاهة والترند، وهو ما انعكس على مكانة المثقف والمعلم وصاحب الإنجاز الحقيقي داخل المجتمع.

يتناول هذا المقال أزمة النجومية الزائفة، وتأثير المحتوى السطحي على وعي الأجيال، ودور المجتمع في صناعة المشاهير، إضافة إلى أهمية إعادة الاعتبار للفكر والثقافة والقيم الإنسانية في مواجهة ثقافة الضجيج والاستعراض.

حين تصبح الشهرة بديلًا عن القيمة

‏في الأزمنة التي يختلط فيها الوعي بالاستعراض، لم تعد الشهرة دليلًا على القيمة، بل غدت -في كثير من الأحيان- مكافأةً لمن يجيد إثارة الانتباه أكثر من إتقان الفكرة.

والمجتمع العراقي، بوصفه مجتمعًا حيًا وسريع التأثر، لم يكن بعيدًا عن هذه التحولات؛ إذ ظهرت موجة من «النجومية السريعة» التي صنعت لبعض الأشخاص حضورًا واسعًا رغم خواء المحتوى، في حين تراجع حضور المثقف، والكاتب، والمعلم، وصاحب المنجز الحقيقي إلى الصفوف الخلفية!

أزمة المعايير في صناعة المشاهير

‏إن المشكلة لا تكمن في الشهرة بحد ذاتها، فالتأثير الجماهيري قد يكون نعمة حين يرتبط بالوعي والمعرفة، لكن الخلل يبدأ عندما يصبح معيار الشهرة قائمًا على الصخب، والابتذال، وإثارة الجدل، لا على الفكرة والقيمة.

‏يقول علي الوردي: ‏«الناس يميلون إلى تصديق ما يوافق أهواءهم لا ما يوافق عقولهم».

‏وهنا تتجلى المفارقة؛ فبعض الشخصيات التي تتصدر المشهد لا تقدم علمًا، ولا ثقافة، ولا مشروعًا إنسانيًا، بل تعتمد على الإثارة العابرة، ومع ذلك تحصد ملايين المتابعين؛ لأن الجمهور -في أحيان كثيرة- ينجذب إلى ما يسليه أكثر مما يطوره.

يبدأ الخلل عندما يصبح معيار الشهرة قائمًا على الصخب والابتذال لا على الفكرة والقيمة

التفاهة وصناعة الذائقة العامة

‏لقد أصبح بعض المشاهير أشبه بمرآة لاضطراب الذائقة العامة؛ فكلما انخفض مستوى الخطاب، ارتفعت نسب التداول. وكلما ازداد المحتوى سطحية، صار أكثر انتشارًا، حتى بات بعض الشباب يعرف تفاصيل حياة مؤثرٍ فارغ، لكنه يجهل اسم عالمٍ أو كاتبٍ أو مفكرٍ أثر في تاريخ بلده.

‏يقول غوستاف لوبون: ‏«الجماهير لا تعطش إلى الحقيقة، بل إلى الوهم الذي يثيرها». ‏وهذا لا يعني ازدراء الجمهور، بل دعوة صريحة لإعادة بناء الذائقة العامة؛ لأن المجتمعات لا تنهض بما تستهلكه من ترفيه فقط، بل بما تمنحه من احترام لأصحاب الفكر والمعرفة والعمل الحقيقي.

معاناة أصحاب القيمة الحقيقية

‏المؤلم أن صاحب القيمة في أحيان كثيرة يعيش معركة صامتة؛ فالكاتب الجاد قد لا يجد من يقرأ له، والمعلم المخلص قد لا يحظى بالتقدير، والباحث الحقيقي قد يبقى مجهولًا، في حين يُحتفى بمن يثير الضجيج ولو بلا مضمون. ‏

إننا أمام خلل ثقافي لا فردي. ‏فالمنصات الرقمية لا تصنع الذوق وحدها، بل تكشف ما يفضله المجتمع ويتفاعل معه.

خطر التفاهة على وعي الأجيال

وحين تصبح التفاهة مادة يومية للاستهلاك، فإن الخطر لا يصيب الثقافة فقط، بل يمتد إلى وعي الأجيال القادمة، التي ستنشأ وهي تظن أن القيمة تُقاس بعدد المشاهدات لا بعمق الأثر. ‏

يقول مالك بن نبي: ‏«الأمة التي تجهل قيمة الأفكار، تصبح أسيرة للأشخاص».

كيف نستعيد قيمة الفكر والمعرفة؟

‏ولهذا فإن العلاج لا يكون بالهجوم والانفعال، بل بإحياء احترام المعرفة، ودعم المحتوى الهادف، وإعادة الاعتبار لصاحب الإنجاز الحقيقي، سواء كان معلمًا، أو طبيبًا، أو كاتبًا، أو باحثًا، أو عاملًا يخلص في عمله بصمت. ‏

إن المجتمع الذي يحتفي بالعقل أكثر من الضجيج، هو مجتمع يضع قدمه الأولى على طريق النهوض. ‏أما حين يصبح الصراخ موهبة، والسطحية إنجازًا، فإننا لا نخسر الذوق فقط، بل نخسر معنى القدوة نفسها.

ختامًا إن خطورة التفاهة لا تكمن في انتشارها المؤقت، بل في تحولها إلى معيارٍ يحدد من يستحق الحضور والتأثير داخل المجتمع. فحين تتراجع قيمة الفكر أمام سطوة الضجيج، يصبح الوعي الجمعي أكثر هشاشة، وتفقد الأجيال قدرتها على التمييز بين الشهرة الحقيقية والانتشار العابر.

ولهذا فإن مسؤولية إعادة بناء الذائقة العامة لا تقع على الأفراد وحدهم، بل هي مسؤولية ثقافية وتربوية وإعلامية مشتركة، تبدأ من احترام المعرفة، ودعم أصحاب الإنجاز الحقيقي، ومنح القدوة الواعية مكانتها التي تستحقها.

فالمجتمعات التي تكرِّم العقل وتحترم القيمة، هي وحدها القادرة على صناعة مستقبل أكثر وعيًا واستقرارًا.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة