في مدينة مطلة على شاطئ البحر، وُلد عاصم بقلبٍ يتقد كجمرة لا تخبو. كان يحمل قلبًا جميلًا، وعينين لا تملَّان النظر نحو كل ما هو جميل.
نسيم البحر يأخذ بألباب روحه، وهدير أمواج البحر تهمس في أذنيه، كل ذلك الجمال الذي يشاهده بعينيه ويسمعه بأذنيه ويلامسه بروحه، كوَّن بداخله حبًا لكل ما هو جميل، وهيَّج في أعماقه حب التصوير، والتقاط اللحظات الجميلة، ليبقيها في ذاكرة جواله يخفيها عن أنظار كل من حوله، مخافة السخرية منه، وما يقوم به.
أبوه كان يرى في التصوير أمرًا عبثًا لا جدوى منه، وأمه كانت لا تختلف عن أبيه إلا يسيرًا، أما هو، فكان يؤمن بنفسه، يؤمن بعمله، يؤمن أن هناك من سيقدر هذا الجمال يومًا ما.
تمر الأيام وعاصم لا يعبأ بالسخرية من قضائه الساعات لمشاهدة المناظر الأخاذة من فوق سطح منزله، كان ينهض كل صباح ليشاهد السماء.. البحر.. السحاب.. ويأخذ نفسًا عميقًا ليهمس للوجود: «كم أنت جميل»، ثم يلتقطت عدة صور ليحتفظ بها، وكذلك يعمل عند الغروب، لا يفوت لحظة جمال تأتي أو تكاد تغيب.
شغفه بالتصوير لم يكن هواية، بل كان حبًا، ونَفَسًا، لا يمكنه العيش دونه.
في الجامعة، قرر أن يدرس الطب تلبية لرغبة والديه، لكنه بين حين وآخر كان يسترق اللحظات بعد عودته من الجامعة أو حتى لو رأى منظرًا جميلًا في أي مكان ليمارس الشيء الذي عشقته روحه.. التصوير.
كل من يراه يقول عنه: «إنسان فارغ، ليس معه إلا التصوير، وما هكذا يصنع الرجال». لكنه كان يرى في كل شيء بابًا مفتوحًا إلى الجمال، عيناه كانتا لا تكفان عن البحث، ويداه لا تتوقفان عن التقاط الصور.
ذات مساء وعند تخرج عاصم في الجامعة، قرر أن يلتقط صورًا تحفظ اللحظات الجميلة، وتجعل كل من يراها يتحدث عنها.
تهندم والتقط كاميراه وذهب إلى القاعة المخصصة للاحتفال، هزَّأ منه أصدقاؤه كالعادة، لكنه قابل استهزاءهم بابتسامة رسمها على شفتيه، ونفَّذ ما قرر القيام به.
في اليوم التالي كانت النتيجة كما أرادها عاصم، كل مواقع التواصل تتناقل صوره التي التقطها. كل أصدقائه اتصل به يومها، قائلين بحماس وبهجة: «يا ولد، لقد فعلتها، الصور.. الصور فظيعة جدًا». قابل عاصم كلامهم بضحك مفرط حتى انثنى على بطنه من شدة الضحك والفرح.
ووالده عاد والبهجة ترتسم على شفتيه مبتهجًا بنجاح ولده وتفوقه على أقرانه بموهبته التي يتكلم عنها الجميع.
في مساء ذلك اليوم اتصلت به إحدى الشركات ليكون أحد موظفيه في مجال التصوير، ونقل الأحداث باحترافية وبراتب سخي، فوافق بعد إذن والديه ورضاهما عنه، بعدما كانا يريانه عملًا سخيفًا لا جدوى منه.
لم يصبح عاصم طبيبًا بل أصبح مصورًا، يمارس شغفه بحب، لقد أصبح مثالًا يحتذى به.
وفي أحد الأيام، أرسل له والده رسالة قصيرة كتب فيها:
«بني، كنت أستهزئ بك فيما مضى... لقد كنت مخطئًا. فلتصور وقتما تشاء وأينما تشاء.. أنا فخور بك».
ابتسم عاصم، ودمعة صغيرة انسابت على وجنته، ليست ضعفًا، بل احتفاءً بانتصار الشغف، ثم رد على رسالة والده برسالة كتب فيها: «لا عليك والدي، لقد نسيت ما مضى.. أنا أحبك».
وهكذا، صار التصوير لعاصم حياةً، لا مهنة، وصار نجمًا لامعًا في السماء، بل في قلوب كل من تجرَّأ أن يتبع صوته الداخلي، ويحقق شغفه في الحياة.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.