أبو العتاهية حياته وشعره: جدلية الضد والتحول بين المجون والزهد

يمثل أبو العتاهية نموذجًا فريدًا لشاعر تحوَّل من حياة اللهو والمجون في الكوفة وبلاط الرشيد إلى رائد شعر الزهد والحكمة العقدي المرتكز على فناء الدنيا وحتمية الموت وسواسية البشر.

في حياة أبي العتاهية وشعره يمكن أن نتلمس تباين الضدين واختلافهما من ناحية، وتعاقبهما في الذات الواحدة من ناحية ثانية، كما هو معروف في تعريفات المناطقة وآراء الفلاسفة، من مثل البياض والسواد، والبخل والإسراف، والجبن والتهور.

وفي هذا يقول الجرجاني: «الضدان صفتان وجوديتان يتعاقبان في موضع واحد يستحيل اجتماعهما كالسواد والبياض». وليس عسيرًا إدراك الاختلاف بين هاتين الصفتين المتضادتين «بالحدس الحسي» أو «بالتصور العقلي» تبعًا لطبيعة المفارقة بينهما، أهي واقعة في النطاق المادي المحسوس أم في المجال الذهني المجرد. 

فكيف يتراءى لنا عند هذا الشاعر مصداق هذه الوجودية المزدوجة؟ وإذا اتضح تحققها فكيف تبدو صورتها في حياته أولًا، وفي شعره ثانيًا، وما هو تعليل مثل هذا الشطط في سيرته وفنه؟

من هو أبو العتاهية؟ وما سر نشأته ولقبه؟

لقد تباينت الآراء قديمًا وحديثًا في هذا الشاعر، فهو أبو إسحاق إسماعيل بن القاسم بن سويد بن كيسان (130-213 هـ / 747-826 م)، رائد شعر الزهد والحكمة في العصر العباسي. نشأ في الكوفة فقيرًا يعمل ببيع الفخار، ثم انتقل لبغداد ليصبح أحد ألمع شعرائها. تميزت حياته بتناقضات حادة؛ حيث اشتهر في شبابه بالمجون والغزل، ثم تاب وانصرف تمامًا للزهد والتقوى؛ ما أضفى طابعًا تأمليًا وفلسفيًا على أشعاره.

لماذا سمي الشاعر أبو العتاهية بهذا الاسم؟

والواقع أن سبب شهرته بـ «أبي العتاهية» يرجع إلى أن الخليفة العباسي «المهدي» أطلق عليه هذا اللقب في شبابه حين كان متهورًا ومولعًا بالمجون والشهرة، حيث قال له: «أنت إنسان معتَّه» (أي متحذلق ومضطرب)، فاستوت من هذه الكلمة كنية «أبو العتاهية» التي غلبت عليه.

سيرة ونشأة أبي العتاهية

أما في السيرة اليومية والنشأة، فقد نشأ نشأة وضيعة؛ فأبوه كان نبطيًا من أهل ورجة وصنعته الحجامة، وكان جده كيسان من أهل عين التمر لبني عنزة، وقد عانى الشاعر كثيرًا من «نبطية» جذوره.

ويذكر أبو الفرج أن جزارًا ضربه ذات يوم حتى تضمخ بالدماء وعيره بأصله النبطي، فهرب على وجهه واستنجد بنفر من قومه فلم يخذلوه. وأما أمه فقد كان ولاؤها لبني زهرة أولًا، ثم باتت مولاة لمحمد بن هاشم بن عتبة بن أبي وقاص، ويقال لها أم زيد.

ولم يجد الشاعر سبيلًا يدرأ عنه ذلة الانتماء في وسط تتصاول فيه الأجناس وتتطاول في انتسابها إلى أكاسرة العجم أو إلى عزة العرب عدنانيين وقحطانيين، سوى شعره يذود به عن نفسه ويداري إحساسه بالمهانة، جاعلًا المفاخرة بالفعال الحميدة والتقوى وليس في الآباء والأجداد، كقوله:

ألا إنما التقوى هو العز والكرم ... وحبك للدنيا هو الفقر والعدم
وليس على عبدٍ تقي نقيصةٌ ... إذا صحح التقوى وإن حاك أو حجم

وفي المعنى نفسه يقول وقد فخر عليه رجل من كنانة:

دعني من ذكر أبٍ وجدِّ ... ونسبٍ يعليك سور المجدِ
ما الفخر إلا في التقى والزهدِ ... وطاعةٍ تعطي جنان الخُلدِ

من بيع الجرار الفخارية إلى اعتلاء عرش القوافي

وأخبر الحسن بن علي عن خيار الكاتب أن أبا العتاهية وأهله كانوا يعملون الجرار الخضر، وأنهم قدموا إلى بغداد من المذار. وإلى مثل هذا أشار محمد بن موسى بالرواية عن عبد الحميد بن سريع فقال: «أنا رأيت أبا العتاهية وهو جرار يأتيه الأحداث والمتأدبون فينشدهم أشعاره، فيأخذون ما تكسر من الخزف فيكتبون فيها. وقيل: بل أخوه زيد -وليس هو- كان يبيع الجرار. وسئل أبو العتاهية عن ذلك فقال: أنا جرار القوافي، وأخي جرار التجارة». 

والأرجح أن يكون قوله هذا في وقت لاحق من حياته وقد بدأ نجمه يتألق شاعرًا، ولم يعد يحتمل أن ينسب إلى عمل الخزاف أو الجرار ضنًا بمكانته وهروبًا من ذكريات الماضي القاسية.

وما دام أبو إسحاق الخزاف بائع الجرار قد بات شاعرًا مرموقًا بارعًا في شاعريته، مقدمًا في نظر عدد من نقاد الشعر على كثيرين من معاصريه؛ فبهذا التحول استقبل عهدًا جديدًا اكتسب فيه الشهرة والمكانة، وجالس الخلفاء والوزراء وغيرهم من الأعيان والوجهاء. ولم لا؟ وهذا هو الفراء يقول: دخلت على جعفر بن يحيى فقال لي: يا أبا زكريا ما تقول فيما أقول؟ فقلت: هو والله أشعرهم عندي. وسأل محمد بن شيرويه الأنماطي صديقه الشاعر داود بن زيد بن رزين: من أشعر أهل زمانه؟ قال: أبو نواس. قلت: فما تقول في أبي العتاهية؟ فقال: أبو العتاهية أشعر الإنس والجن.

ملامح المرحلة الأولى: حياة اللهو وعلاقة أبي العتاهية وهارون الرشيد

تلك هي الصفحة الأولى من «الضدية» في سيرة أبي العتاهية، ولعلها تبدو أكثر جلاء إذا نحن عنينا بأخباره المتصلة بميله إلى العبث واللهو؛ وحين رآه صاحبه أبو الشمقمق يحمل زاملة المخنثين فقال له: أمثلك يضع نفسه هذا الموضع مع سنك وشعرك وقدرك؟ فقال له: أريد أن أتعلم كيادهم وأتحفظ كلامهم.

أما كلامهم، فهو ذلك الشعر الذي يرددونه ويتغنون فيه ولا يحتوي إلا على معاني الفساد والفجور يشيعونها بين الناس. وأما كيادهم فهو سلوكهم القائم على التشبه بالنساء في الملبس والخضاب وإطالة الشعور وتزجيج الحواجب والعيون. 

وقد صادفت حركة المخنثين الانحلالية الشاذة إعجابًا من تلك الطبقة من الشعراء الماجنين في الكوفة أمثال والبة ومطيع وأبي نواس، وهي الطبقة التي تغنت في شعرها بالفسق والمجون مع الجواري والغلمان. ولذلك لا تعجب إذا رأينا أبا العتاهية يعترف بأنه كان يعاشرهم، ويبدو أنه كان ينظم الشعر لهم ليتغنوا به ويغنوا الناس في المجالس والطرقات والأزقة، وإن كان شعره في هذا المجال لم يصل إلينا.

أما الصفحة المقابلة في فنه فهي ولا ريب صفحة شعره الغزلي التي تتفق مع ما في لقبه من دلالة على الإسراف في ملاهي الحياة؛ فقد كان نهمًا في العقود الأولى من حياته بضروب من الخلاعة متأثرًا بالمانوية، كما كان ذا شره إلى المال في عصر لم يكن تحصيل مباهج الدنيا فيه إلا بأسباب من الغنى والثروة.

هذان هما المتماثلان في الطرف الأول من ثنائية هذا الشاعر سلوكًا وأدبًا: حب الحياة والافتنان بتصيد ما يرضي نزعته إلى العبث، وحب النساء لكونه عنوانًا صارخًا من التعلق بلذائذ الوجود.

وفي تلك الأثناء، توطدت صلاته بالحكام، فقد جمعت بين الخليفة العباسي هارون الرشيد والشاعر الكبير أبي العتاهية علاقة أدبية وثيقة طبعها «شعر الزهد والحكمة»، حيث كان الرشيد يميل للاستماع إلى قصائده المليئة بالمواعظ وتذكير الموت، على الرغم مما عرف عن بلاط الرشيد من بذخ ومجون. ومن أشهر مواقفهما وحواراتهما: قصيدة الغرور؛ إذ دخل أبو العتاهية يومًا على الرشيد وقد زُخرف مجلسه، فطلب منه الرشيد وصف ما هم فيه من النعيم، فأنشده أبو العتاهية قائلًا:

عش ما بدا لك آمنًا ... في ظل شاهقة القصور
يُسعى إليك بما اشتهيت ... لدى الرواح وفي البكور

وكانت النهاية الصادمة؛ لما أكمل الشاعر البيت الثالث الذي يذكر فيه الموت: «فإذا النفوس تقعقعت في ضيق حشرجة الصدور»، أجهش الرشيد بالبكاء وسقط مغشيًا عليه. وحاول بعض الحاضرين زجر الشاعر، فرد الرشيد قائلًا: «دَعْه، فإنه رآنا في عمى فكره أن يزيدنا منه».

أبو العتاهية في بلاط الخليفة هارون الرشيد

ملامح المرحلة الثانية: التحول التاريخي وما هي عقيدة أبي العتاهية؟

أما المتماثلان الآخران في الطرف الثاني من الثنائية المذكورة، فهما إقلاعه عن السلوك المادي المتطرف إلى سلوك من التقشف، وتحوله من شاعرية النسيب والغزل إلى شاعرية الزهد والتنديد بالشهوات والترهيب من مصير الموت والزوال.

ما هي عقيدة أبي العتاهية؟ وكيف استقرت أفكاره؟

إن عقيدة أبي العتاهية تميزت بالزهد والمواعظ، وتجلَّت في الإيمان العميق بالقضاء والقدر، ووحدانية الله. ورغم تعرضه لاتهامات بالزندقة، فإن العلماء المحققين -مثل الحافظ ابن عبد البر والذهبي- أكدوا صلاحه وصدق توبته. ويعده العلماء من الزهاد الصالحين، ويدل على ذلك ديوانه المملوء بشعر الزهد والحكمة.

ولئن كانت هذه الصفحة الثانية من سيرته وفنه تتسم بالورع، فقد يكون من الأهمية بمكان إعطاء نموذج على هذه الضدية التي تحدثنا عنها التي حتَّمت أن يكون محور نبوغ أبي العتاهية الشعري في هذين الغرضين المتباعدين اللذين لم يجتمعا في مرحلة واحدة من عمر الشاعر، ولكنهما أحاطتا بالبداية والنهاية، بزمن الشروق وزمن الأفول أو الغروب.

قال أبو العتاهية وهو في غمرة نضاله الدنيوي عاكفًا على مآدبها العارمة بالأطايب ببواعث الشباب واندفاعه:

يا للشباب المرح المتصابي ... روائحُ الجنة في الشباب

فلنحاول الآن، انطلاقًا من شعره العابق بأريج المسرات، أن ندلف معه إلى مجلس من تلك المجالس اللاهية وقد عكف وصحبه على الشراب واستبدت بهم النشوة، فاندفعت مخيلته في وصف الندماء والساقي والخمرة الصهباء التي تشع في الكأس كالكوكب الدري، يدور بها عليهم جميل رافل بالحسن يتمايل مياسًا بدله كالظبي الغرير، وكيف أطلقت هذه الخمرة البكر الصافية -التي لم تمسها النار بل أنضجتها شمس الهجير- ما احتبسته الضمائر من أسرارها بعد أن استولت بخدرها على ألبابهم وحررتها من عقالها فانبرت ألسنتهم هادرة صاخبة:

لهفي على الزمن القصير ... بين الخورنق والسدير
إذ نحن في غرف الجنان ... نعوم في بحر السرور
في فتيةٍ ملكوا عنان ... الدهر أمثال الصقور
ما منهم إلا الجسور ... على الهوى غير الخصور
يتعاورون مدامةً ... صهباء من حلب العصير
عذراء رباها شعاع ... الشمس في حر الهجير
لم تدن من نارٍ ولم ... يعلق بها وفر القدور
ومقرطقٍ يمشي أمام ... القوم كالرشأ الغرير
بزجاجةٍ تستخرج السر ... الدفين من الضمير
زهراء مثل الكوكب الد ... ري في كف المدير

ولا يزال أبو العتاهية يحيط بهاتيك الأجواء المرحة الحلوة، وأولئك الفتية الذين يتحكمون بدهرهم وبدوا في تهتكهم وجسارتهم على ما يحلو لهم كالصقور التياهة في أعاليها المتحكمة في عنان الفضاء، حتى يتناول بوصفه هاتيك الكوكبة من الحسان وقد خرجن من خدورهن عابقات بالطيب والعبير، رافلات بالحلي والحرير، مرسلات لحاظهن من عيونهن الحوراء، وهن يمسن بقدودهن الغضة وخصورهن الضامرة وأردافهن الممتلئة:

ومخصراتٍ زرننا ... بعد الهدو من الخدور
ريّا روادفهن يلبسن ... الخواتم في الخصور
غر الوجوه محجبات ... قاصرات الطرف حور
متنعمات في النعيم ... مضمخات بالعبير
يرفلن في حلل المحاسن ... والمجاسد والحرير
ما إن يرين الشمس إلا ... الفرط من خلل الستور

شعر أبي العتاهية في الزهد والحكمة والزوال

ولك الآن أن نقارن هذه اللوحة الثرية بالألوان الحضارية الزاهية، بلوحة نقيضة عابسة تمثل شعره في الزهد والتنسك، لترى بوضوح هاتيك النقلة الواسعة بين الطرف والآخر، بين البداية والنهاية التي أثمرت نتاجًا غزيرًا يضمه ديوان أبي العتاهية اليوم كشاهد على هذا التحول الصادق.

لقد عُرف عنه أنه شاعر الزهديات، ونظم أبو العتاهية في الزهد شعرًا مجودًا يفيض بالعاطفة والمعاني الصادقة، وقد قال ابن الإعرابي بعد أن سمع أبياتًا لأبي العتاهية في الزهد: «ما رأيتُ شاعرًا قطُّ أطبع ولا أقدر على بيتٍ منه، وما أحسب مَذهَبه إلاَّ ضربًا من السحر». 

وبذلك تميز شعر أبي العتاهية في الحكمة بأسلوب سهل وواضح يخاطب عامة الناس وخاصتهم. حيث تناول في قصائده حقيقة الحياة، الموت، الزهد في الدنيا، ومصير الإنسان، مبتعدًا عن التكلف.

وإلى حضراتكم أجمل وأشهر قصائده في الزهد، وهي قصيدة تفيض بالوعظ:

لعَمْرُكَ، ما الدّنيا بدارِ بَقَاءِ ... كَفَاكَ بدارِ المَوْتِ دارَ فَنَاءِ
فلا تَعشَقِ الدّنْيا، أُخيَّ، فإنّما ... يُرَى عاشِقُ الدُّنيَا بجُهْدِ بَلاَءِ
حَلاَوَتُهَا ممزَوجَةٌ بمرارةٍ ... ورَاحتُهَا ممزوجَةٌ بِعَناءِ
فَلا تَمشِ يَوْمًا في ثِيابِ مَخيلَةٍ ... فإنَّكَ من طينٍ خلقتَ ومَاءِ
لَقَلّ امرُؤٌ تَلقاهُ لله شاكِرًا ... وقلَّ امرُؤٌ يرضَى لهُ بقضَاءِ
وللّهِ نَعْمَاءٌ عَلَينا عَظيمَةٌ ... وللهِ إحسانٌ وفضلُ عطاءِ
ومَا الدهرُ يومًا واحدًا في اختِلاَفِهِ ... ومَا كُلُّ أيامِ الفتى بسَوَاءِ
ومَا هُوَ إلاَّ يومُ بؤسٍ وشدةٍ ... ويومُ سُرورٍ مرَّةً ورخاءِ

ماذا قال أبو العتاهية عن الدنيا والموت؟

وعند التأمل في فلسفته العميقة ندرك كيف نظر إلى الدنيا في أواخر أيامه، فتجلى شعر أبي العتاهية عن الدنيا في مقطوعات سارت بها الركبان؛ فيُصور أبو العتاهية الدنيا في 6 أبيات شعرية جميلة جدًا فتأملوها، وهي من أشهر أبياته:

نَأتي إِلى الدُنيا وَنَحنُ سَواسِيَة ... طِفلُ المُلوكِ كَطفلِ الحاشِيَة
وَنُغادِرُ الدُنيا وَنَحنُ كَما تَرا ... مُتَشابِهونَ عَلى قُبورٍ حافِيَة
أَعمالُنا تُعلي وَتَخفِضُ شَأنَنا ... وَحِسابُنا بِالحَقِّ يَومَ الغاشِيَة
فَاختَر لِنَفسِكَ ما تُحِبُّ وَتَبتَغي ... ما دامَ يَومُكَ وَاللَيالي باقِيَة
وَغَدًا مَصيرُكَ لا تَراجُعَ بَعدَهُ ... إِمّا جِنانُ الخُلدِ وإِمّا الهاوِيَة

شعر أبي العتاهية عن الموت

ولم يقف عند وصف فناء الحياة، بل تعمق صوته ليوقظ القلوب الغافلة، ومن ذلك قصيدته المؤثرة: «لَقَد لَعِبتُ وَجَدَّ المَوتُ في طَلَبي»:

لَقَد لَعِبتُ وَجَدَّ المَوتُ في طَلَبي ... وَإِنَّ في المَوتِ لي شُغلًا عَنِ اللَعِبِ
لَو شَمَّرَت فِكرَتي فيما خُلِقتُ لَهُ ... ما اِشتَدَّ حِرصي عَلى الدُنيا وَلا طَلَبي
سُبحانَ مَن لَيسَ مِن شَيءٍ يُعادِلُهُ ... إِنَّ الحَريصَ عَلى الدُنيا لَفي تَعَبِ

وفي قصيدة أخرى يرسل نداءه الحزين: «يا نَفسُ قَد أَزِفَ الرَحيلُ»:

يا نَفسُ قَد أَزِفَ الرَحيلُ ... وَأَظَلَّكِ الخَطبُ الجَليلُ
فَتَأَهَّبي يا نَفسِ لا ... يَلعَب بِكِ الأَمَلُ الطَويلُ
فَلَتَنزِلِنَّ بِمَنزِلٍ ... يَنسى الخَليلَ بِهِ الخَليلُ
وَلَيَركَبَنَّ عَلَيكِ فيـ ... ـهِ مِنَ الثَرى ثِقلٌ ثَقيلُ
قُرِنَ الفَناءُ بِنا فَما ... يَبقى العَزيزُ وَلا الذَليلُ

وها هو في ختام هذا المسار الإيماني والتأملي، يخاطب نفسه ومن خلالها كل امرئ غرَّته الدنيا، مبينًا أن كل ما هو بحاجة إليه قبل الرحيل عن هذا العالم والوفاة الجسدية ينحصر في الكفاف، والعيش الهادئ البعيد عن الصخب والغرور:

رغيفُ خبزٍ يابسٍ ... تأكله في زاويه
وكوزُ ماءٍ باردٍ ... تشربه من صافيه
وغرفةٌ ضيقةٌ ... نفسك فيها خاليه
أو مسجدٌ بمعزلٍ ... عن الورى في ناحيه
معتبرًا بمن مضى ... من القرون الخاليه

ختامًا، لم تكن رحلة أبي العتاهية مجرد تنقلٍ بين الصخب والسكينة، بل كانت تجسيدًا حيًا لوعي الإنسان بتقلّب أحواله وفناء غاياته؛ فبينما وهب شبابه لـ «جر القوافي» في مجالس الملوك واللاهين، اختار في مآله أن يجرَّ البشرية كلها إلى مرآة الحقيقة العارية، ليظل ديوانه وثيقة تاريخية وأدبية خالدة تُثبت أن العز الحقيقي لا يُنال بمجد الآباء ولا بزخرف القصور، وإنما بيقظة الروح وزهدها فيما يزول.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة