الزواج ليس طقسًا اجتماعيًّا أو حدث احتفالي فقط، بل هو نقطة بداية لمسيرة معيشية وإنسانية مشتركة، تتطلب الفهم والتوازن على كل الصعد: الجسدية، والعاطفية، والنفسية، والروحية. ومع ذلك، يتعامل المجتمع في كثير من الأحيان مع ليلة الزفاف الأولى تعاملًا مشوَّهًا، فيُثقلها بتوقعات ضاغطة ووصايا متكلّفة تهدم ما يجب أن يكون لحظة صفاء وتفاهم، فتتحول هذه الليلة من مساحة للطمأنينة إلى ساحة للارتباك.
في هذا المقال، نُسلِّط الضوء على جوهر العلاقة بين الطرفين، ونوضح كيف أن التفاهم والاحترام المتبادل هما أساس كل بداية سليمة.
يُعرَّف رمزيًا الإنسان عند كُثُر على أنه كائن مُتميّز يحتاج إلى عدد من أنواع التغذية، فالبدن يحتاج للطعام والشراب والأكل المتوازن المعلوم، والفكر يحتاج لغذاء الاطّلاع والتدبّر، والروح تحتاج لأغذية دينية وجدانية، والنفس تحتاج لغذاء المحبة والعاطفة، والغريزة تحتاج لغذاء جنسي حميمي فطري طبيعي.
وكل تلك الأغذية مطلوبة في سياقها، ولا يستقيم أن يأتي أحدهم بمنطق التكلّف والمُزايدات، فيُطلَب ممن هو مثلًا بحاجة لغذاء غريزي، فيُفتى عليه بأن يتناول الغذاء الروحاني! أو أن أحدهم جاع وأراد طعامًا لبدنه، فيُعطى له كتاب ليتناول فكريًّا!
إن حياة الإنسان تقتضي التفهّم، وتقتضي التوازن بين شتى المُتطلبات الفطرية البديهية من أجل حياة سوية وصحيّة وكريمة ومرضيٌّ عنها.
وفي سياق البحث عن هكذا توازن، توجد لدى الذكر ولدى الأنثى فكرة «الارتباط»، واجتماعيًا بشأن أول ليلة «رسمية» مرتقَب أن يمضيها هكذا ذكر وهكذا أنثى مع بعضهما البعض بعد مراسم هكذا ارتباط، يُلاحَظ أن صيغة التفكير مختلفة، إذ في هكذا ليلة مميَّزة يراها الذكور أساسًا بصيغة غريزية ممتعة – ولا عتاب لهم مبدئيًا في ذلك – أما الأنثى فترى في الارتباط وفي مراسمه وفي تلك الليلة بصيغة حالمة لطيفة رومانسية، وأنها الذكرى الاستثنائية؛ لذلك، مطلوب من كليهما تفهّم طبيعة وصيغة تفكير الطرف الآخر، والاجتهاد في إسعاد الشريك.
فاجتماعيًا، رائج أنه في هكذا ليلة دُخلة، يتواصل مقرَّبون مع هذا الرجل المُقبل على هكذا حدث من أجل دعمه بوصايا مهمة بشأن صيغة تفاصيل الدخلة! والمُؤسف أنه في الغالب، هكذا توصيات غير سليمة وتُدمّر النفسيات، وتخلق ذكرى سيئة تُرافق المعنيّين في حياتهم المشتركة، ولا يكون هيّنًا تجاوزها... وكل هذا لأنه في الغالب، طبيعة الوصايا للأنثى أو للذكر هي حديث مُرفَق بضحكة مشاغبة – وكأن المسألة غير طبيعية! – حول شتى الصيغ اللازمة لممارسة الحميمية!
وبسبب هكذا منطق اجتماعي في التعاطي مع هكذا حدث مميز، تتأذى نفسية الأنثى التي تنقل أذاها ذاك إلى شريكها، في حين أن المتخصصين يحثّون على أن تفاصيل ليلة الدخلة هي في الأساس ليست حديثًا عن الجنس نهائيًا، ثم إنه أصلًا الجنس سيكون تحصيل حاصل، وسيكون نتيجة رياضية حين يتم التوفيق في تهيئة الأجواء اللطيفة.
وهنا مسؤولية الرجل مع شريكته، إذ يستوجب تفهّم نفسية البنات في هكذا حدث استثنائي، ولا يتم تسفيه عدد من الأمور التي كثيرًا ما يعدها الذكور وكأنها ليست الأهم، على غرار إنجاح تفاصيل الزفة، إظهار الانتباه والانبهار بثوب الشريكة وتجميلاتها.
التوصية في غرفة النوم على إعداد عشاء مميز، الإكثار من الإطراء والانبهار والتغزّل.. والحميمية تُترَك للعفوية، ولمدى وجود التجاوب واللهفة من كلا الطرفين، وليس من الضروري أن تُمارَس الحميمية في تلك الليلة المليئة بالإرهاق وبالارتباك، ولا يُكترَث بما ظلّ رائجًا اجتماعيًا من أفكار وسلوكيات عفا عنها الزمن، فهكذا ارتباط هو شأن شخصي يخص فقط الطرفين، ولا يصح البوح بكل ما هو شأن شخصي لأي كان ومهما كان.
إن الحياة السوية تقتضي الرُّقي، بما في ذلك الرقي حتى في تعاطينا مع غرائزنا الفطرية الطبيعية.
العلاقات لا تُبنى على وصفات مسبقة، بل على تفهّم مُتبادل ووعي حقيقي بطبيعة النفس البشرية. والليلة الأولى ليست اختبارًا للنجاح أو الفشل، بل لحظة ملامسة لأرواح تبحث عن السكينة. علينا كأفراد ومجتمعات أن نرتقي حتى في تعاملنا مع ما هو فطري، وأن نستبدل التلقين الاجتماعي بالتعاطف الإنساني، والصيحات الجوفاء بالهدوء الحميم.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.