حوار لم تنشره الصحف مع أديب الجاسوسية المصري نبيل فاروق

تربيت على أدهم صبري.. رجل المستحيل الخارق، الأذكى، الأمهر، الذي يُجيد عدة لغات، ويُتقن ألعاب القتال والرماية، ويبرع في قراءة الأشخاص، والتنكر. رجل لا يهاب الموت، بارد الأعصاب، صامد لا يتأثر بما حوله، لديه إرادة وقوة احتمال لا مثيل لها. هو رجل الاستثناءات كما يبدو، غير موجود سوى في أحلامنا وأمانينا، لذا فقد كان القدوة والرمز لجيلي جيل الثمانينيات.

بتلك الفكرة المُنزرعة بأعماقي سُررت بتكليفي من إحدى الصحف العربية بإجراء محاورة مع الرجل، كان ذلك في خريف سنة 2018 وكانت المناسبة ذك الصحف المُثار حول فيلم " الملاك"   للمخرج أريل فرومين ومؤلفه ديفيد أراتا ، والذي أنتجته شركة " نتفليكس" ليدعي تجسس أشرف مروان صهر الرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر لصالح إسرائيل.

لم يُنشر الحوار المطلوب، ولم أسأل لمَ، فبحكم شغلي الصحفي لنحو ربع قرن اعتدت مثل هذه الأمور، لكنني أتصور الآن أن كثير مما قاله الأديب المصري المتخصص في أدب الجاسوسية مُهم وضروري لمن هُم في بدايات المشوار ذاته، الكتابة في أدب الجاسوسية.

ولد نبيل فاروق في فبراير سنة 1956 في مدينة طنطا غرب القاهرة وتخرج من كلية الطب سنة 1980 وشرع في كتابة روايات للشباب بنظام السلسة فقدم "رجل المستحيل" و" ملف المستقبل" لتحقق نجاحا باهراً دفعه إلى اعتزال الطب تماما سنة 1990 والتفرغ للكتابة فقط.

 وابتكر "فاروق" شخصية رجل المخابرات الأسطوري أدهم صبري الذي استوحي سماته من ضابط مخابرات مصري التقى به، وتحول فيما بعد إلى قدوة لشباب الثمانينات والتسعينيات.

ويرجع لـ"فاروق" الفضل في إكتشاف أديب الشباب المحبوب أحمد خالد توفيق عندما نظم مسابقة لأدب الخيال في التسعينيات من خلال المؤسسة العربية للنشر واختار إحدى قصص "توفيق" مقدما إياه لأول مرة إلى القراء.

يسكن الرجل في حي "الرحاب" الفاخر في شقة تتجاور مع شقة أخرى يُخصصها للكتابة كانت محل لقاءنا.

بدا الرجل هادئا، مُنمقا في اختيار كلماته، كثير التوقف والاسترسال، مُدقق في ذكر معلوماته واستعراض آرائه.

قلت له إن أدب الجاسوسية الذي ولد في العالم قبل سبعة عقود على أيدى الكتاب البريطانيين أمثال سومرست موم (1874ـ1965)، إريك كيلفورد أمبلر(1909ــ1998)، إيان فيلمنج (1908ــ1964)، وغراهام غرين ( 1904ــ 1991)، وغيرهم. وانتقل إلى العالم  ليظره بعض المبدعيم المتخصصين مثل الراحل صالح مرسي، لكن لا أحد يشعر بوجود هذا النوع من الأدب الآن في العالم العربي. سألته لمh؟

قال لي إن تراجع أدب الجاسوسية ساهم في تشجيع إسرائيل على ممارسة دورها المعتاد في تزييف الحقائق وفرض وجهة نظرها. ونحن هنا أشبه بمن يتحدث مع نفسه أو يلجأ إلى الشجب والاستنكار دون بذل أى محاولات للولوج إلى أدمغة المواطن الغربي، ذلك الذي يتأثر بالفيلم والأغنية أكثر من نشرة الأخبار ومقالات الصحف.

وقال أيضا إن قضية أشرف مروان وقصة " الملاك" قضية ملتبسة تؤكد أن العرب أقل تأثيرا في الإعلام العالمي من إسرائيل.

ومن واقع خبرته، ككاتب تخصص في أدب الجاسوسية وتعامل مع أجهزة سيادية فإنه يرى أن مروان لا يمكن أن يكون جاسوساً لإسرائيل لعدة أسباب: أولها أن أجهزة الاستخبارات من الصعب أن تقبل تحويل جاسوس يعلمون خيانته إلى بطل. وثانيها أن هناك سوابق عديدة على تزييف إسرائيل للحقائق تجميلاً لسمعة جهاز الموساد وبثا للإحباط في نفوس أعدائها.

ثالث الأسباب أن الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك، قال عند وفاة "مروان" إن التاريخ لن ينسى الدور الوطني الذي لعبه.

المشكل في تصور "فاروق" هو أننا لا نعمل إعلاميا بالشكل المطلوب. نحاور أنفسنا لا العالم، ونكنفي ببيانات شجب واستنكار وأحيانا نصمت تماما، بينما تحسن إسرائيل استغلال الإعلام العالمي بصورة مذهلة.

فضلا عن ذلك فإننا ندفع ضريبة إهمال أدب الجاسوسية وتشجيع المبدعين على العمل فيه والإحجام عن تمويل أعمال سينمائية مستوحاة منه.

وقدم نبيل فاروق المثال الواضح قائلا "عندما صنع الروائي المصري صالح مُرسي من ملف صغير من ملفات المخابرات المصرية لا يتجاوز خمس صفحات رواية تفصيلية بعنوان " رأفت الهجان" وتم تحويلها إلى مسلسل تلفزيوني، أنكرت إسرائيل تماما  القصة. وبعد إعلان الاسم الحقيقي للجاسوس المصري في إسرائيل وهو جاك بيتون، اختلقت إسرائيل حكاية أنه عميل مزدوج، وأنه تم كشفه وتجنيده للعمل لصالح إسرائيل.

وأوضح أن لدي إسرائيل بعض الكتاب والأدباء مثل يوسي ميلمان، دان رافيف، وإيتان هايبر مكلفين بتجميل أعمال الموساد وتحويل هزائمها إلى انتصارات ونشر ذلك في كافة بلدان العالم.

سألته لماذا اختار الجاسوسية طريقا لممارسة الأدب، كيف بدأت القصة لديه؟  وكيف تطورت رؤيته وتصوراته؟ ثم كيف صنع شخصية رجل المستحيل؟

قال لي نبيل فاروق أنه بدأ الكتابة  قبل ثلاثين عاما في مجلة "الشباب" القاهرية الصادرة عن مؤسسة الأهرام وتطرق لعالم الجاسوسية في  بعض مقالاته، وفوجئ بسكرتارية عبد الوهاب مطاوع رئيس التحرير وقتها تتصل به وتخبره أن جهة سيادية تطلب أن يتواصل معها، وأن أحد الأشخاص ترك تليفونه للتواصل معه. وبالفعل اتصل به والتقى بذلك الشخص الذي فاجأه هناك قانون صادر في مصر سنة 1979 يحظر نشر أى شئ عن الجهة السيادية دون الحصول على إذن منها، ومنذ ذلك التاريخ أصبحت مجلة الشباب تعرض مقالاته على المسئولين، حتى وصل الأمر بعد ذلك إلى سماح الجهاز لنبيل فاروق بنشر كل ما يكتبه بعد أن تأكدت من حرصه وفهمه لمتطلبات الأمن القومي.

وقال لي الكاتب الكبير إن عالم المخابرات يبدو سهلا للكاتب غير أنه شديد التعقيد من الداخل، فكل جهاز له نُظمه وقواعده وأساليبه في التعامل، ولابد للكاتب أن يكون ملما بعالم الجاسوسية والاستخبارت وتاريخ الأجهزة العالمية.

وفي تصوره فإن هناك فروق بين كاتب وآخر في التعامل مع ملفات المخابرات، فهناك كاتب مبدع لديه تصورات وأفكار وقادر على صياغة عوالم محيطة مثلما هو الحال مع صالح مرسي، وهناك آخرون يكتفون بالملفات الرسمية الجافة دون صياغة واقع حياتي محي مثلما فعل الكاتب عبد الفتاح الديب مع قصة" باروخ".

ويرى الروائي المصري أن الكاتب يجب أن يعيش فكرة الجاسوسية متوحداً مع الخطر والحذر، وملما بكافة جوانب رجال المخابرات الحقيقيين.

ويتابع "يبدو رجل المخابرات إنسانا طبيعا  بالغ الأناقة والتهذيب، مثقفا ثقافة عالية، متقنا لكثير من اللغات ، وقادرا على ضبط مشاعره وإنفعالاته."

فضلا عن ذلك، فلابد من إخلاصه واستعداده الدائم للتضحية بنفسه في سبيل وطنه في أى لحظة من اللحظات.

وقال أيضا إن الأجهزة  تحرص على تحذير عملائها من العلاقات النسائية لأن أشهر جاسوس في الحرب العالمية الثانية وهو ريخارد زورغه، و(الذي كان سببا في تحول كفة الحرب لصالح الحلفاء بسبب معلومة سربها حول عدم اعتزام اليابان مواجهة روسيا عسكريا، ما دفعها إلى حشد كافة جيوشها على الجبهة الألمانية ورجحت كفة الحلفاء) سقط بسبب علاقة نسائية، وأعدم في طوكيو سنة 1944.

ويرفض الروائي المصري ما يسوقه البعض من كون رجال المخابرات رجال غلاظ أقرب للوحوش المفترسة. ويقول إن حكايات التعذيب والعنف في معظم الأجهزة حكايات خيالية، خاصة أن الأجهزة  تتعامل مع المعلومات وتستهدفها لأنها تبني عليها كل تحركاتها، بدون حاجة لدفع أشخاص بعينهم للإعتراف بجرائم لم يرتكبوها.

فروق بين الواقع والخيال

وحول التوافق بين شخصية أدهم صبري التي قدمها في سلسلة "رجل المستحيل" من خلال 160 رواية وشخصية رجل المخابرات الحقيقية ذكر نبيل فاروق " إن هناك بالطبع فروق عديدة، لكنني حرصت على جمع صفات عظيمة استحسنتها في عدد من رجال المخابرات الذين تعاملت معهم، لذا فقد عاشت الشخصية مع القراء العرب ثلاثة عقود، وحاولت في الرواية إنهاء حياتها غير أنني لم أتمكن فتركت النهاية مفتوح."

وإذا كان بعض محبي وقراء الأديب قد تداولوا قبل فترة  أخبارا حول تحويل سلسلة "رجل المستحيل " إلى مسلسل تلفزيوني، إلا أنه قال أن الأمر لم يتجاوز الدراسات والتخطيط وأنه لم يتم حتى الآن الاتفاق مع أي شركات لانتاج مسلسل عن ذلك.

ومما أكده أديب الجاسوسية أنه في الآونة الأخيرة تغيرت طبيعة الجاسوس تماما فلم تعد مهمته نقل معلومات أو صور أو أسرار وإنما تعد الأمر إلى الترويج لإشاعات أو بث روح الإحباط والانهزامية أو إثارة بعض الحنق الشعبي تجاه الأنظمة والسياسات، لذا فإن أنظمة المواجهة اختلفت تماما، مع ظهور مصطلح "حروب الجيل الرابع".

 وأوضح أن حروب الجيل الأول هي الحرب النظامية التي يواجه فيها جيشا جيشا آخر، ويطلق الجيل الثاني على حروب الجيوش والأجهزة ضد العصابات والميليشيات المنظمة ، بينما يطلق الجيل الثالث على الحروب الوقائية مثل قيام أميركا بضرب العراق تحسبا لوجود أسلحة دمار لديها . أما حروب الجيل الرابع فهي حروب بالوكالة يستخدم فيها عناصر داخلية لزعزعة الخصم داخليا وأول مَن تحدث عنها البرفيسور الإسرائيلي ماكس مايورينك في مركز البحث القومي الإستراتيجي بإسرائيل حين ذكر أن حروب الجيل الرابع تعتمد على الإرهاب وعلى وجود قواعد غير وطنية، متعددة الجنسيات، وفيها تستخدم كل وسائل الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والعرقية ويتم العمل على هدم الرموز وإشاعة روح الانهزامية.

تبدل إستراتيجيات الأمن

وحول تغير الأعداء وتبدل استراتيجيات الدول قال إنه " لا يوجد عدو دائم، ولا صديق دائم، والعالم العربي وحده الذي يعيش في قوالب ذهنية ثابتة."

ورأى أن مفهوم العدو قد يتغير لدى العالم العربي ليصبح تركيا أو إيران وفقا لمشروعاتها القومية ، وما يحدث حولنا يدفعنا إلى التفكير بعمق أكبر في فكرة ثبات الأعداء والأصدقاء في الخطاب الفكري.

وضرب المثل "بفرنسا وألمانيا وصراعهما التاريخي على إقليم الألزاس واللورين، وحربهما الضروس ، ثُم التحالف والتعاون القائم حاليا."

وأكد نبيل فاروق أن كثير من القصص والحكايات في عالم المخابرات يتم تلفيقها وتسويقها إعلاميا للتغطية على أمور أخرى ترى الأجهزة أنها لا يجب كشفها أبدا.

وعلى سبيل المثال يعتقد "فاروق " أن رواية قتل أسامة بن لادن كما رددتها الجهات الرسمية الأمريكية ملفقة ، وأنه من المحتمل أن يكون "بن لادن" مسجون لديهم إلى الأبد للتعرف على كافة المعلومات الخاصة بالقاعدة حول العالم.

وقال " إنه لا معنى لإلقاء جثة مطلوب لدى الشعب الأميركي في البحر بدلا من العودة بها للاحتفال بالنصر الذي تحقق."

كما يتصور البعض أن هتلر لم يمت منتحرا كما رددت الآلة الإعلامية للحلفاء وأنه ربما هرب وعاش في أميركا اللاتينية هو وإيفا براون.

وأشار إلى أن أساليب الأجهزة في التعامل مع خصومها تختلف من جهاز لآخر، غير أن هناك أجهزة معروف عنها إضطلاعها في أعمال التصفية الجسدية للخصوم وعلى رأسها جهازي"الكي جيه بي"، والموساد.

 

بقلم مصطفى عبيد

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.