حنين

ربما أعود مرة ثانية حيث الجذور لأعانق جدتي مجددا، وأطوف الأسواق الشعبية، أرتشف القهوة تحت أشجار العرديب، وأحكي لجدي قصص عن المركز حيث الخرطوم وأمدرمان، أحدثه عن الكنداكات وكيف يصنعن المعجزات بمحض هتافات فيحركن الجموع، ويشعلن الثورات، وعن الجميلات والسمراوات، ويحدثني هو عن رحلاته في أفريقيا الوسطى وعن قصص الصيد والأدغال، عن الليل والقمر والنجوم، وأن النجوم بالنسبة لهم حكايات فكل نجم يخبرونه ويحفظونه عن ظهر قلب، فكل نجم له اسم غير تلك الأسماء العلمية، ويخبرني عن العادات والتقاليد، وعن الطرقات وقص الأثر، عن صيد الدجاج البري والطيور.

فأنصت لحديثه بلا مقاطعة فهناك في أقصى الغرب هناك متسع لكل شيء، فنشرب مزيدا من الشاي المخلوط بالحليب والسادة، فهناك لا أحد يعرف أن البن يضاف له الماء ولا الطماطم يضاف له السماد، كل شيء ينمو بفطرته، حتى الجميلات هناك لازلن يضفن للزيت بعض القرنفل والدهن المستخرج من سيقان البقر، ليمسحن به جدائل شعرهن، فأعود لجدتي وأتذكر حديثها عندما قالت لي آخر مرة اذهب لحفل طهور أبناء الجيران وأدخل في صف الرقص وأرقص العريج، أنت طويل وأراهن بأن الجميلات سيختارنك وحاول أن تكون جريئا وارفع رأسك عاليا فقلت لها ضاحكا لا أجيد رقصها ولكني سأحاول فعللت لي بأنك مختلفا وأصرت على أن أحاول فحسب، وهناك في حلقة الرقص الجميلات يقفن كسرب العصافير المصطف على حافة فرع شجرة السنط المعتدل، يتغنن بصوت واحد وحناجر نقية.

غير أن إستثنائيتي في الخرطوم بابتسامتها الجميلة تلك تقف سدا مانعا بيني وبينهن، فتضيع الأصوات جميعها في الحفل ولا أسمع سوى صوتها، وضحكاتها المتراكمة، الساقطة من فيض المشاوير، الضائعة بين الطرقات، وهمس الليالي الطوال، كل الأشياء الجميلة هناك تذكرني بها فأعود لجدتي مطأطئ رأسي، فتقول لي مالي أرى أن رجليك لك يتلطخان برمال أرض الرقص، أولم ترقص؟ فأجيبها نعم، فتقول لي أولم يعجبك الرقص فأجيبها بلى أعجبني جدا وتعرفت على تراثنا الجميل، ولكني في المرات القادمة سأفعل، فتقول لي أعدني؟ فأجيبها نعم، فتبتسم ابتسامة خفيفة، فتقول لي انتظر حتى تأتي ابنتي لتعد لك القهوة، فتقول لي نحن هنا فقط نشرب الشاي، لكني عرفت أن ناس الخرطوم يشربون القهوة ويحبون دوما أن يكونوا مهندمين يلبسون كل شيء يصنع جديد، فأجيبها كلا، ناس الخرطوم ليس بينهم وبينكم فرق كثير، فنضحك كثيرا ونتحدث كثيرا، بعيدا عن ضجيج المدن، ربما ربما أعود مجددا

بقلم الكاتب



ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب