في الصبح الباكر، على أرصفة الطرقات تحت المطر، مع رائحة البرد الزكية وحنين الذكريات إلى أن مشاعرنا ما زالت حية والقلب ينبض، نشعر وكأن لدينا طاقة من المشاعر أشبه ببركان قد ينتفض رغم الفراغ الذي بداخلنا. نشاهد سقوط المطر كأننا لم نشاهده من قبل في كل شتاء؛ نعيش تلك الحالة فقط لأنها مرتبطة بشخص تمنيناه يومًا أن يبقى في قلبنا للأبد، لكنه اختار أن يغرق في بحر من الذكريات.
لم يرغب بالبقاء، لكن اللحظات الجميلة دائمًا ما تعيش للأبد. بعد ضجيج الحنين هذا، يدور في أذهاننا سؤال واحد: لماذا؟ لماذا نعيش آلام الحنين؟ رغم أننا قدمنا كل ما بوسعنا، كنا صادقين جدًا وتسكننا السعادة كلما التقينا، هل هو عيب فينا أم مجرد تشبيع لرغبات؟
كل من رحل يرحل، لسنا أناسًا نرجو الوصال ولسنا ضعفاء كي نكسر أنفسنا لمجرد رحيلهم، غالبًا يكون العيش وحيدًا أسمى درجات العزة، فهل نعتقد أننا نستحق فرصة ثانية أم أن الزمن سيعيد نفسه؟ رغم حجم الانكسار الذي بداخلنا لا بد أن نعيش تفاؤلنا ونبحث عمن يشبهنا، حتى وإن طال الزمن لا بد من شخص يشبهنا، يا حبذا إذ كان يعلم معنى الانكسار وأن الحياة تعشق المرح والتفاؤل، وعندما يحين هذا الوقت نكون قد هرمنا وتملكنا اليأس، حينها نحتاج أن نبني أنفسنا من جديد لنعود أقوياء وقلبنا ينبض بسلام، وعقولنا تغفو بلا أرق، وعيوننا تغمض دون جهد، حينها فقط سنشعر بدفء أجسادنا.

كم أرغب للوصول لتلك الحالة! لا أعتقد أن هذا مستحيل، لكن أرجو ألا أُجبر لسلك هذا الطريق، لأنني أرغب فقط بأن تغفو عيني بحضنها الدافئ دون قلق منها أو خوف من رحيلها. لا أستطيع تحمل خسارة أحد؛ فهناك من يبحث عن الشيء ذاته، وهناك من دخل مرحلة اليأس، وهناك من ما زال يراوغ من أجل البقاء، وهناك من يعيش متعة اللحظة بعد، وفي كل مرة يأتي فيها الشتاء نعيش نفس تلك اللحظات حتى نجد من يمحو هذا الوجع من داخلنا.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.