سأجلس في ركني المتواضع من هذا الحي العتيق الذي تنفست فيه الجزائر كلها دفعة واحدة، حيث يلتقي صوت المؤذن عند المغرب مع صدى أقدام الأطفال العائدين من لعبهم في الأزقة الضيقة المتعرجة التي رسمت خطوطها الحياة بتعرجاتها ومطباتها.
أجلس على كرسي بلاستيكي قديم ربما تهشّم قليلًا من شمس الصيف، لكنه ما زال يحملني كما تحملني الأيام المتعبة، وأمامي كوب شاي تقليدي لا يحمل ماركة فاخرة ولا نكهة مستوردة، لكنه يحمل نكهة الانتماء، نكهة التواضع، نكهة أن تعيش بالقليل وتكتفي بالكثير الذي يسكن داخلك.
أراقب تفاصيل الجدران التي شاخت وتآكلت ألوانها من كثرة ما لامستها الشمس والمطر والهموم، أراقب الشقوق التي لا تنطق لكنها تحكي بصمت عن أعمار سابقة وأزمان مرّت من هنا، ولم تترك خلفها سوى الأثر والذكرى والحنين.
هنا، حيث البيوت متلاصقة كأنها تخاف الوحدة، وحيث النسوة يتبادلن الخبز والملح والهموم والضحكات دون تكلّف أو تصنّع، وحيث الشيوخ يجلسون على الأرصفة لا ينتظرون شيئًا سوى مرور الوقت وعودة الذاكرة.
أجلس وحدي لكنني لست وحيدًا، فكل شيء من حولي يشبهني ويهمس لي بأنني أنتمي إلى هذا التراب، إلى هذه الأرض التي لا تخون أهلها، حتى إن أرهقهم العيش فيها. أنتمي إلى لهجة الناس، إلى طيبة الجيران، إلى قهوة الصباح التي تُعد على مهل، إلى الشاي بالنعناع، إلى أصوات الباعة، إلى وجوه الأمهات اللواتي يطرزن الصبر على أطراف الحكاية.
أغمض عيني وأتذكر كل شيء، كل شيء مضى ولم يعد. أتذكر وجوهًا غابت بلا وداع، وضحكات خُطفت في زحمة الغلاء والمواعيد المكسورة. أتذكر وطني كما كان، كما هو، كما أحلم به، زرعًا صغيرًا في أرض متعبة نرعاه نحن بالأمل والدعاء، ونقيه من ريح اليأس بصدق النية وصفاء القلب.
في جزائري لا شيء كامل، لكن كل شيء حي. لا شيء واضح، لكن كل شيء محسوس. لا شيء مضمون، لكن كل شيء ممكن. نحيا كما نحن، نضحك على الرغم من التعب، نغضب بصوت عالٍ ثم نهدأ، نحلم ثم نصبر ثم نحلم من جديد، نكسر جدار الخوف ثم نبنيه من جديد، لا لأننا ضعفاء، بل لأننا نحترف البقاء، لا نغادر بسهولة، لا نستسلم بسهولة، نرتب فوضانا اليومية، ونمشي بين الزحام، نلوِّح للحياة بأيدٍ خاوية إلا من الإيمان، ونواصل مهما اشتد التعب ومهما طال الانتظار.
هنا، في فناء بيتي الصغير، أجد الكون كله يتسع لي، أجد الهدوء الذي لا تشتريه النقود، أجدني كما أنا، بعيدًا عن كل ما يجب أن أكونه كما يراني الناس وكما يريدني الواقع. هنا، لا أحد يحاسبني، لا أحد يطالبني، لا أحد ينتظر مني شيئًا سوى أن أكون حاضرًا في هذه اللحظة بكامل وجداني.
أفتح عيني على صوت ارتشاف الشاي، وأصوات الأطفال يركضون خلف كرة تتدحرج بينهم ببراءة من لا يعرف سوى اللعب والفرح، وعلى صوت أم تنادي ولدها وتقول له: «عد قبل أن يشتد الظلام»، وعلى ضوء مسائي خافت يتسلل من بين النوافذ كأنه يهمس لنا أن الحياة لا تزال ممكنة.
وأبتسم لأنني أدرك أن الجزائر،على الرغم من كل شيء، تعرف كيف ترمم نفسها كل مساء، تعرف كيف تُعيد إلينا بعض الأمل حين يوشك على الانطفاء، وكيف تغمرنا بهدوئها الجميل حين يضج بنا الضجيج. وتعلو في داخلي همسة تقول: «إن الوطن ليس نشيدًا في الإذاعة ولا صورة على جدار، بل هو إحساس دافئ يأتيك فجأة حين تسمع جارك يدعو لك بالخير دون مصلحة، أو حين تجد طفلًا يمد لك قطعة حلوى بلا سبب، أو حين تبتسم لك امرأة عجوز فقط لأنك مررت من جانبها»... وحينها، وبينما كنت أستلقي على بساط من سكينة وأحلام مسترسلة.
توقظني ابنتي بقبلتها المعتادة، تمسح عن وجهي ما علق من غبار الحلم، وتقول لي بصوتها الذي يشبه الفجر: «انهض يا أبي، لقد نمت كثيرًا»... وأدرك فجأة أنها لم تكن سوى غفوة قصيرة، غفوة قيلولة لا أكثر، وأن كل ما عشته كان مجرد لحظة من الحنين تسللت إلى قلبي بهدوء ثم غادرت في صمت، وتركتني أكثر تعلقًا، أكثر حبًا لما هو حقيقي، أكثر إيمانًا أن في هذا الوطن ما يستحق أن نحلم من أجله ولو في غفوة.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.